السؤال:

رجل عقد على بنت صغيرة، وكان وليها الأب، فهل له أن يعاملها معاملة الأزواج ويقوم بمعاشرته معاشرة الأزواج؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فمن حيث الأصل الشرعي يجوز العقد على الفتاة الصغيرة، ولكن يُمنع الزوج من الدخول عليها حتى تكبر وتطيق الجماع، ولا يلزم الزوج في هذه الحالة بالإنفاق عليها، فإذا كبرت وارتضته وسلمت إليه فله أن يعاملها معاملة الأزواج وتلزمه نفقتها.
رغَّبَ الإسلامُ في الزواج وقد امتنَّ الله على الناس به، فقال سبحانه: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ) وذكره في القرآن بأنه من سنن الأنبياء وهدى المرسلين :(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً)
وقد أباح الشرع الحنيف للأب أن يزوج ابنته الصغيرة من الرجل الكفؤ لها إذا وجد مصلحتها في هذا الزواج، وكذلك يجوز لغيره من الأولياء أن يُزوِّج البنت الصغيرة، ولكن لها الخيار حتى تكبر وتبلغ مبلغ النساء، وعلى قول من أثبت لها الخيار يكون لها حق فسخ النكاح قبل الدخول، ويثبت لها بهذا نصف المهر.

أما عن المعاشرة الجنسية فإنها تمنع حتى تكبر الصغيرة وتطيق الوطء، وترضى بزوجها  فإن كانت مطيقة للجماع وقد رضيت بزوجها سُلمت لزوجها، وهذه الإطاقة للجماع تختلف من فتاة لأخرى ومن بيئة لبيئة أخرى.
ويُمنع زوجها من الاستمتاع بها ما دامت في مرحلة لا تطيق معها الجماع، ولا يحل لأهلها أن يدفعوها له قبل تحملها الوطء حتى لو كان الزوج من أهل الدين لأنه لا يؤمن عليه هيجان الشهوة .
ولا تلزم الزوج النفقة مادامت هذه الزوجة صغيرة، فإذا أطاقت الوطء، وسُلمت له، وحصل الجماع لزمته النفقة، وله عليها ما للأزواج على نسائهم.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
ذهب الفقهاء إلى أن من موانع التسليم [أي تسليم الزوجة للزوج] الصغر، فلا تسلم صغيرة لا تحتمل الوطء إلى زوجها حتى تكبر ويزول هذا المانع؛ لأنه قد يحمله فرط الشهوة على الجماع فتتضرر به، وذهب المالكية والشافعية إلى زوال مانع الصغر بتحملها للوطء، قال الشافعية: ولو قال الزوج: سلموها لي ولا أطؤها حتى تحتمله، فإنه لا تسلم له وإن كان ثقة، إذ لا يؤمن من هيجان الشهوة .

وقال الحنابلة : إذا بلغت الصغيرة تسع سنين دفعت إلى الزوج، وليس لهم أن يحبسوها بعد التسع ولو كانت مهزولة الجسم، وقد نص أحمد على ذلك، لما ثبت أن { النبي صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين } لكن قال القاضي: ليس هذا عندي على طريقة التحديد وإنما ذكره، لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها، وإذا سلمت بنت تسع سنين إليه وخافت على نفسها الإفضاء من عظمه فلها منعه من جماعها ويستمتع بها كما يستمتع من الحائض.أهـ.

كما جاء في المغني لابن قدامة:
إمكان الوطء في الصغيرة معتبر بحالها واحتمالها لذلك . قاله القاضي . وذكر أنهن يختلفن، فقد تكون صغيرة السن تصلح، وكبيرة لا تصلح، وحده أحمد بتسع سنين، فقال في رواية أبي الحارث في الصغيرة يطلبها زوجها : فإن أتى عليها تسع سنين، دفعت إليه، ليس لهم أن يحبسوها بعد التسع، وذهب في ذلك إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة وهي ابنة تسع .
قال القاضي : وهذا عندي ليس على طريق التحديد، وإنما ذكره لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها، فمتى كانت لا تصلح للوطء، لم يجب على أهلها تسليمها إليه، وإن ذكر أنه يحضنها ويربيها وله من يخدمها؛ لأنه لا يملك الاستمتاع بها، وليست له بمحل، ولا يؤمن شره نفسه إلى مواقعتها، فيفضها أو يقتلها.
وإن طلب أهلها دفعها إليه، فامتنع، فله ذلك، ولا تلزمه نفقتها؛ لأنه لا يمكن من استيفاء حقه منها .

والله أعلم.