السؤال:

إذا نشب خلاف بين رجل وامرأته من المسلمين فهل يجوز لأحدهما أن يلجأ إلى القوانين والمحاكم الوضعية هناك ويترك الحكم الإسلامي على اعتبار أن المحكمة تعطي للزوجة نصف ما يملك الزوج في حين أن الإسلام لا يعطيها إلا النفقة ومؤخر الصداق فقط؟ وهل لو التجأت الزوجة إلى المحكمة تعتبر آثمة ؟ وما حكم المال الذي تأخذه من زوجها بغير حق ؟ وهل يجوز لرجل دين أن يفاوض بين الرجل وزوجته في حكم القاضي غير المسلم ؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
الأصل أنه يحرم على المسلم أن يلجأ إلى قضاء يعلم أنه لا يحكم بشرع الله ويرضى به عن شرع الله، فإذا لم يوجد قضاء شرعي في بلد يعيش به المسلم فليحكِّم أهلَ العلم والعدل فإذا اضطر المسلم للتحاكم للقانون الوضعي اضطرارا فلا يستحل من أحكام هذا القانون إلا ما تعطيه له الشريعة الإسلامية، فإن حدث وأخذت الزوجة أكثر مما قرره الشرع الحنيف لها من زوجها كان المأخوذ سحتاً لا يحل لها الانتفاع به، وعليها أن ترده إذا هي أخذته .
يقول الدكتور صلاح الصاوي الأمين العام لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا:
الأصل هو حرمة التحاكم إلى القضاء الوضعي الذي لا يتحاكم إلى الشريعة، سواء أكان ذلك داخل بلاد الإسلام أم كان خارجها متى وجد البديل الشرعي القادر على استخلاص الحقوق ورد المظالم، وقد استفاضت النصوص في ذلك، وانعقد عليه إجماع أهل العلم، وكل الأدلة التي توجب الحكم بما أنزل الله وتبين كفر ونفاق من أعرض عن ذلك نصوص في هذا الباب، فإن العدول عن التحاكم إلى شرع الله مع إمكانه نفاق لا يجتمع مع أصل الإيمان، فقد قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) إلى أن قال تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [سورة النساء:60-65 [

فإذا انعدم القضاء الشرعي وأمكن تحكيم أهل العلم وحملة الشريعة كان هذا هو المتعين وينبغي النزول على أحكامهم، والتسليم لهم في مسائل الاجتهاد، فإن قضاء القاضي وحكم المحكم يرفع الخلاف، وقد ذكر أهل العلم أنه إذا خلا الزمان من السلطان الشرعي فإن الأمور موكولة إلى العلماء، ويصبح علماء البلاد ولاة العباد، وينبغي على الجاليات الإسلامية المقيمة في المجتمعات الغربية أن توفر الآليات التي تتيح للمتخاصمين أن يتحاكموا إلى الشريعة ، وأن توفر لهم من يفصل في خصوماتهم بناء على أحكامها .

فإذا لم يتيسر ذلك لعدم نزول الخصم على حكم حملة الشريعة وكان لا يردعه إلا سلطان ذو شوكة فإن التحاكم إلى القضاء الوضعي في هذه الحالة لاستخلاص حق أو دفع مظلمة رخصة، ولا تثريب على من يلجأ إليه عندما يتعين سبيلا إلى ذلك، لأن النصوص الواردة في نفاق وكفر من أعرض عن التحاكم إلى الشرع إنما كانت في واقع تهيأت فيه أسباب التحاكم إلى الشرع المطهر، وأعرض فيه من أعرض عن ذلك طائعًا مختارا، لتفضيله التحاكم إلى الطاغوت على التحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول .

ولابد في هذه الحالة أن تكون مطالبه أمام هذا القضاء مشروعة، وألا يستحل من أحكامه إلا ما وافق الشريعة ، فإذا مطله مدين مليء ورفع أمره إلى القضاء الوضعي فليس له إلا المطالبة بأصل الدين، فإن قضى له ببعض الفوائد الربوية فليس له أن يستحل منها شيئا لمخالفتها للشريعة .

وبناء على ما تقدم فليس لهذه الزوجة الراغبة في الطلاق أن تلجأ إلى القضاء الوضعي لأنه سيعطيها أكثر مما تعطيها الشريعة ، فإن فعلت ذلك فهي آثمة، وإن استحلته كانت متلبسة بعمل من أعمال الكفر الأكبر، وما تأخذه من مال زوجها على خلاف الشريعة يعتبر سحتا ومالا حراما، لا يحل لها تموله ولا تملكه، ولا يطيب لها مهما تقادم الزمن .

وإذا لجأت الزوجة إلى تحكيم القضاء الوضعي وقضى لها بما لا تقضي لها به الشريعة ، وأصرت المرأة على هذا الباطل ورأى بعض المصلحين التدخل لمفاوضة هذا المرأة للتنازل عن بعض مما قضي لها به وليس لها فيه حق شرعي فلا بأس بذلك، ويكون من جنس تقليل المفاسد وتخفيف المظالم في حدود الوسع والطاقة، وقد قال تعالى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [سورة التغابن:16] ومن تدخل بهذه النية أجر، لما هو معلوم من قيام الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها ومنع المفاسد وتقليلها .

والله أعلم.