السؤال:

سمعنا أن قراءة القرآن بالتجويد من الواجبات التي يأثم القاريء بدون مراعاتها، فهل معنى ذلك أن من لم يتقن هذه الأحكام عليه أن يكف عن القراءة حتى لا يأثم، ومعنى ذلك أن أكثر من ثلاثة أرباع الأمة تأثم حينما تقرأ القرآن ؛ لأنهم لا يعلمون هذه الأحكام؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

أما المتقدمون من علماء التجويد فإنهم يرون أن إتقان جميع أحكام التجويد من الأمور الواجبة التي يأثم تاركها مهما خفيت، ولكن المتأخرين رأوا في ذلك حرجا عظيما، ولذلك قرروا أن على المسلم إذا أراد أن يقرأ القرآن أو يحفظه أن يتعلم أحكام التجويد وأصوله لأن تعلم ذلك عليه واجب، ومن فرط فيه وهو قادر على تعلمه أثم إذا أدى ذلك إلى اللحن الجلي، أما إذا كان لحنه خفياً فلا يصل إلى حد التحريم على ما ذهب إليه المتأخرون من علماء التجويد.

وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى تعلم أحكام القرآن فقال :” الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجره مرتين ” رواه الشيخان من حديث عائشة.

والذي يقرأ دون تعلم لا يتتعتع؛ لأنه يقرأ منطلقا أصاب أم لم يصب وهو لا يشعر ، أما المتتعتع فهو ذلك الذي يتعلم على يد شيخ ، ويتعب في تطبيق ما يتعلمه.

ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله- في رد على جواب لسؤال مماثل:-
يشرع للمؤمن أن يجتهد في القراءة ، ويتحرى الصواب ، ويقرأ على من هو أعلم منه حتى يستفيد ويستدرك أخطاءه . وهو مأجور ومثاب وله أجره مرتين إذا اجتهد وتحرى الحق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجره مرتين متفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها ، وهذا لفظ مسلم .انتهى.

‏‏وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يأتي :-
قد ذهب المتقدمون من علماء القراءات والتجويد إلى أن الأخذ بجميع أصول التجويد واجب يأثم تاركه , سواء أكان متعلقا بحفظ الحروف – مما يغير مبناها أو يفسد معناها – أم تعلق بغير ذلك مما أورده العلماء في كتب التجويد , كالإدغام ونحوه .
قال محمد بن الجزري في النشر نقلا عن الإمام نصر الشيرازي : حسن الأداء فرض في القراءة , ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حق تلاوته .

وذهب المتأخرون إلى التفصيل بين ما هو ( واجب شرعي ) من مسائل التجويد , وهو ما يؤدي تركه إلى تغيير المبنى أو فساد المعنى , وبين ما هو ( واجب صناعي ) أي أوجبه أهل ذلك العلم لتمام إتقان القراءة , وهو ما ذكره العلماء في كتب التجويد من مسائل ليست كذلك , كالإدغام والإخفاء إلخ . فهذا النوع لا يأثم تاركه عندهم .

قال الشيخ علي القاري بعد بيانه أن مخارج الحروف وصفاتها , ومتعلقاتها معتبرة في لغة العرب :
فينبغي أن تراعى جميع قواعدهم وجوبا فيما يتغير به المبنى ويفسد المعنى , واستحبابا فيما يحسن به اللفظ ويستحسن به النطق حال الأداء .
ثم قال عن اللحن الخفي الذي لا يعرفه إلا مهرة القراء : لا يتصور أن يكون فرض عين يترتب العقاب على قارئه لما فيه من حرج عظيم . ولما قال محمد بن الجزري في منظومته في التجويد , وفي الطيبة أيضا : والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم، قال ابنه أحمد في شرحها : ذلك واجب على من يقدر عليه , ثم قال : لأن الله تعالى أنزل به كتابه المجيد , ووصل من نبيه صلى الله عليه وسلم متواترا بالتجويد . وكرر أحمد بن محمد بن الجزري هذا التقييد بالقدرة أكثر من مرة .
ويدل لذلك الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة , والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه , وهو عليه شاق له أجران }.

والله أعلم .