السؤال:

أثناء تناول السحور سمعنا المؤذن يرفع النداء لصلاة الفجر وكنا لم نفرغ بعد من الطعام والشراب فقال لنا أبي أكملوا سحوركم ولا حرج عليكم واستدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم- "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه" فأكملنا السحور على هذا فهل ما فعلنا صوابا؟ وأود أن أنبه إلى أنه في بلدنا لا يوجد إلا أذان واحد لصلاة الفجر

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد انعقد الإجماع على أن الصائم يجب عليه الإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، واتفق الفقهاء على أنه يحرم الطعام والشراب على من سمع أذان الفجر في وقته المضبوط حسب التوقيت المحلي للبلد الذي يعيش فيه، أو علم بدخول وقت الفجر من خلال الساعة إذا لم يصله صوت المؤذن، ومتى قال المؤذن “الله أكبر” فلا يجوز للمسلم أن يبتلع اللقمة أو شربة الماء التي في فيه بل يجب عليه أن يخرج ما في فيه، وإذا ابتلع ما في فمه بعد سماعه الأذان بطل صومه بلا خلاف ويجب عليه أن يمسك عن الطعام والشراب بقية يومه، كما يجب عليه قضاء هذا اليوم.

أما حديث “إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه” فالحديث رواه أبو داود في سننه وصححه الشيخ الألباني –رحمه الله- والحديث لا يفيد حل الطعام والشراب بعد دخول الفجر الصادق ولكن النصوص تفسر بعضها بعضا، فهذا الحديث محمول على قوله صلى الله عليه وسلم “إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم” متفق عليه، ويقول صاحب عون المعبود: “يحتمل أن يكون إذنه –صلى الله عليه وسلم- بإباحة الطعام والشراب لمن سمع الأذان وهو يشك في طلوع الصبح لكون السماء بها غيم فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معدومة، ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضا، وفي فتح الودود قَالَ الْبَيْهَقِيُّ “إِنْ صَحَّ هَذَا يُحْمَل عِنْد الْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِين كَانَ الْمُنَادِي يُنَادِي قَبْل طُلُوع الْفَجْر بِحَيْثُ يَقَع شُرْبه قَبْل طُلُوع الْفَجْر”

وبناء على ما سبق فالاستشهاد بالحديث الذي ورد في سؤال السائل على جواز الاستمرار في الأكل والشرب بعد سماع المؤذن أو معرفة دخول وقت الفجر من أي طريق، فهذا استدلال باطل دل عليه ما ذكرنا، ويلزمكم قضاء هذا اليوم.

ولمزيد من التفصيل أسوق طرفا من كلام الفقهاء في هذه المسألة، فيقول النووي في المجموع:

من طلع عليه الفجر وفي فيه طعام فليلفظه ويتم صومه ، فإن ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه ، وهذا لا خلاف فيه ، ودليله حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم } رواه البخاري ومسلم ، وفي الصحيح أحاديث بمعناه ، وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده ، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه } وفي رواية { وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر } فروى الحاكم أبو عبد الله الرواية الأولى ، وقال : هذا صحيح على شرط مسلم ، ورواهما البيهقي ثم قال : وهذا إن صح محمول عند عوام أهل العلم على أنه صلى الله عليه وسلم عَلِم أنه ينادى قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر قال : وقوله : ( إذا بزغ ) يحتمل أن يكون من كلام من دون أبي هريرة أو يكون خبرا من الأذان الثاني ، ويكون قول النبي صلى الله عليه وسلم { إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده } خبرا عن النداء الأول ليكون موافقا لحديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم قال : وعلى هذا تتفق الأخبار.

وفي التعليق على الحديث الذي ورد في السؤال قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في شرحه على سنن أبي داود-:

هَذَا الْحَدِيث أَعَلَّهُ اِبْن الْقَطَّانِ بِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي اِتِّصَاله قَالَ : لأَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الأَعْلَى بْن حَمَّاد أَظُنّهُ عَنْ حَمَّاد ، عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي هُرَيْرَة – فَذَكَره وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ زِرّ قَالَ : ” قُلْنَا لِحُذَيْفَة : أَيّ سَاعَة تَسَحَّرْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : هُوَ النَّهَار ، إِلا أَنَّ الشَّمْس لَمْ تَطْلُع ” . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة . فَرَوَى إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عَنْ وَكِيع أَنَّهُ سَمِعَ الأَعْمَش يَقُول : ” لَوْ لا الشَّهْوَة لَصَلَّيْت الْغَدَاة ثُمَّ تَسَحَّرْت ” ، ثُمَّ ذَكَر إِسْحَاق عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَعَلِيّ وَحُذَيْفَة نَحْو هَذَا ، ثُمَّ قَالَ : وَهَؤُلاءِ لَمْ يَرَوْا فَرْقًا بَيْن الْأَكْل وَبَيْن الصَّلاة الْمَكْتُوبَة . هَذَا آخِر كَلام إِسْحَاق . وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا .

وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى اِمْتِنَاع السُّحُور بِطُلُوعِ الْفَجْر ، وَهُوَ قَوْل الأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ، وَعَامَّة فُقَهَاء الأَمْصَار ، وَرَوَى مَعْنَاهُ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس.

وَاحْتَجَّ الأَوَّلُونَ بِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّن اِبْن أُمّ مَكْتُوم ، وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذِّن إِلاَّ بَعْد طُلُوع الْفَجْر ” كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَفِي بَعْض الرِّوَايَات : ” وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى لا يُؤَذِّن حَتَّى يُقَال لَهُ : أَصْبَحْت أَصْبَحْت ” . قَالُوا : وَإِنَّ النَّهَار إِنَّمَا هُوَ مِنْ طُلُوع الشَّمْس.

وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمْ الْخَيْط الأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الأَسْوَد مِنْ الْفَجْر} ، وَبِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّن اِبْن أُمّ مَكْتُوم ” ، وَبِقَوْلِهِ : ” الْفَجْر فَجْرَانِ ، فَأَمَّا الأَوَّل فَإِنَّهُ لا يُحَرِّم الطَّعَام وَلا يُحِلّ الصَّلاة ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ يُحَرِّم الطَّعَام وَيُحِلّ الصَّلاة ” ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنه . قَالُوا : وَأَمَّا حَدِيث حُذَيْفَة فَمَعْلُول ، وَعِلَّته الْوَقْف ، وَأَنَّ زِرًّا هُوَ الَّذِي تَسَحَّرَ مَعَ حُذَيْفَة ، ذَكَره النَّسَائِيّ . أ.هـ

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:

أجمع الفقهاء على أن الصائم يجب عليه أن يمسك عن المفطرات من طلوع الفجر يوم صومه حتى تغرب الشمس ويتأكد من غروبها ، لقوله تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى الليل }.

واتفق الفقهاء على أنه إذا طلع الفجر وفي فيه طعام أو شراب فليلفظه ، ويصح صومه . فإن ابتلعه أفطر ، وكذا الحكم عند الحنفية والشافعية والحنابلة فيمن أكل أو شرب ناسيا ثم تذكر الصوم ، صح صومه إن بادر إلى لفظه . وإن سبق شيء إلى جوفه بغير اختياره ، فلا يفطر عند الحنابلة ، وهو الصحيح عند الشافعية . وأما المالكية فقالوا : إذا وصل شيء من ذلك إلى جوفه – ولو غلبه – أفطر .

وخلاصة الأمر: أن الحديث وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث حسن ولكن الحديث لا يجيز للصائم أن يستمر في الأكل والشرب خلال أذان الفجر إذا تأكد من طلوع الفجر الصادق. والواجب على الصائم أن يمتنع عن الأكل والشرب بمجرد سماع أذان الفجر.

والله أعلم .

وللمزيد يمكن مطالعة ما يلي: السحور عند أذان الفجر