السؤال:

لقد ابتلينا في أوطاننا بهذه القوانين الظالمة الجائرة التي تحرم ما أحله الله عز وجل، فالزنا ليس جريمة أما الزواج الثاني فهو جريمة يعاقب عليها القانون، وسؤالي هل يجوز لي أن أتفق مع أهل الزوجة على كتمان الزواج حتى لا أتعرض للمساءلة القانونية؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
إذا كانت الدولة تُجَرِمُ التعدد في الوقت الذي تصدرُ فيه القوانين لحماية الزناة والدُّعار، فلا حرج في الاتفاق على كتمان النكاح، بشرط أن يستوفي أركانه وشروطه، وذلك بأن يتم بحضور ولي الزوجة والشهود، وأن تتخذ الضمانات الكافية التي تحفظ للمرأة حقوقها الشرعية، وأفصل القول في المسألة فأقول وبالله التوفيق:
إننا أصبحنا نعيش في هذا الزمان النكد الذي انقلبت فيه الموازين، وغدا فيه المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وصدق فينا قول الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
“كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟”. قالوا: يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: “نعم وأشد منه كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟”. قالوا: يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: “نعم وأشد منه كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟”. رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط .
ولا ريب أنها فتنة لا ينجو منها إلا من عصمه الله، نسأل الله تعالى السلامة والعافية .

ونقول للسائل الكريم إذا كان من حق الحاكم المسلم تقييد المباح فالأمر ليس على إطلاقه، ولكن الأمر منوط بالمصلحة ولا بد أن تكون المصلحة ظاهرة وأن تكون راجحة، وأن تكون المصلحة مرسلة –أي سكت عنها الشارع ولم يرد ما يدل على اعتبارها أو إلغائها- وفيما عدا ذلك فليس من حق أي إنسان كائنا من كان أن يحرم ما أحل الله، أو يحل ما حرم الله قال تعالى ” وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ” –النحل: 116 -.

وبناء على هذا فسن القوانين التي تحرم تعدد الزوجات وتجعله جريمة لا خلاف أن الجرم في سن هذه القوانين وما فيها من جرم ليس بحاجة إلى بيان، فالله سبحانه وتعالى قد أباح تعدد الزوجات ولم يقيده إلا بشرط واحد وهو العدل بين الزوجات في النفقة والمبيت، فمن علم من نفسه القدرة على العدل بين زوجاته فله أن يعدد سواء كان للتعدد سبب أم لا؟
وبالنسبة للاتفاق على كتمان النكاح، فإذا كان الحال ما ذكرت في سؤالك من أن القانون يلاحق من أراد الزواج بأخرى، ففي هذه الحالة لا حرج في الاتفاق على كتمان الزواج وعدم توثيقه لدى الجهات الرسمية، فجمهور الفقهاء على أن إعلان النكاح سنة وليس ركنا ولا شرطا في عقد النكاح، ولكن لا بد أن يستوفي العقد أركانه الشرعية من الولي والشهود والإيجاب والقبول، وأن تُتَخذ الضمانات الكافية التي تحفظ للمرأة حقوقها الشرعية .

وغاية الأمر أن ترك إعلان النكاح فيه مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فإعلان النكاح مستحب، وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بكراهة كتمان النكاح، والقول بكراهة ترك إعلان النكاح في حق من قدر عليه، أما من اضطر إلى ذلك فلا كراهة، ولا مؤاخذة، ولا تأثيم فالله سبحانه وتعالى قد أباح للمكره والمضطر ما هو أكثر من ذلك، ورفع عنه الحرج والتأثيم، فقال سبحانه ” وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ” –الأنعام: 119 -.
وعليه فلا حرج عليك أخي الكريم أن تكتم أمر زواجك حتى يأذن الله باليوم الذي يسود فيه شرع الله ويقود “ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا “.

جاء في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي:
فإن عقده –أي النكاح- بولي وشاهدين , فأسروه , أو تواصوا بكتمانه , كره ذلك , وصح النكاح . وبه يقول أبو حنيفة , والشافعي , وابن المنذر وممن كره نكاح السر عمر رضي الله عنه وعروة , وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة , والشعبي , ونافع مولى ابن عمر .

وقال أبو بكر عبد العزيز (من فقهاء الحنابلة) النكاح باطل ; لأن أحمد قال: إذا تزوج بولي وشاهدين : لا , حتى يعلنه، وهذا مذهب مالك والحجة لهما ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا (وهي الأحاديث التي تحث على إعلان النكاح وقد حملها القائلون ببطلان نكاح السر على الوجوب، ومن قال بصحة النكاح حملوا الأحاديث على الاستحباب) .

ولنا –ابن قدامة- قوله : “لا نكاح إلا بولي” ، مفهومه انعقاده بذلك وإن لم يوجد الإظهار ; ولأنه عقد معاوضة , فلم يشترط إظهاره كالبيع , وأخبار الإعلان يراد بها الاستحباب , بدليل أمره فيها بالضرب بالدف والصوت , وليس ذلك بواجب , فكذلك ما عطف عليه .
وقول أحمد لا ، نهي كراهة , فإنه قد صرح فيما حكينا عنه قبل هذا باستحباب ذلك ; ولأن إعلان النكاح والضرب فيه بالدف إنما يكون في الغالب بعد عقده , ولو كان شرطا لاعتبر حال العقد , كسائر الشروط.. انتهى ..

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
جمهور الفقهاء على أن إعلان النكاح مستحب . وذهب الزهري إلى أنه فرض , حتى أنه إذا نكح نكاح سر , وأشهد رجلين , وأمرهما بالكتمان وجب التفريق بين الزوجين , وتعتد الزوجة , ويكون لها المهر حتى إذا ما انقضت عدتها وبدا له أن يتزوجها تزوجها وأعلن النكاح . كما هو مفصل في كتاب النكاح من كتب الفقه .

والله أعلم.