السؤال:

السادة العلماء ظهرت فتوى بين الناس تبيح التأمين التجاري، لأنَّه نوع من أنواع التبرعات، يساعد على التكافل الاجتماعي، وقد قاست الفتوى التأمين على المضاربة وعلى التأمين التبادلي، وقد استندت الفتوى إلى خلو هذا التأمين من القمار، وأيضا إلى أنه نوع من العقود وقد جاء الإسلام بالوفاء بالعقود، كما أن خطبة الوداع قد خلت من التنويه عليه، ولم يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وعُرف الناس قد قبل هذه المعاملة، والمصلحة المرسلة تبيح هذا التعامل، وأوصت الشركات بالتعديل في بعض بنودها، وختمت بوصية هي أن يكون التأمين إجباريا حتى يتعود الناس الادخار والعطاء، هذا بعدما رأت أنه لا مانع من الأخذ بنظام التأمين بكل أنواعه... فهل ما جاء في هذه الفتوى صحيح ويجوز لنا أن نتعامل به؟ وجزاكم الله خيراً

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

يقول أ.د. عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة:

إنَّ هذه الفتوى لا تجد ما يؤيدها من أدلة الشرع، ولنطرح جانبا قرارات المجامع الفقهية والتوصيات الصادرة عن المؤتمرات والندوات التي عقدت لهذا الغرض، والتي انتهت إلى حرمة هذه المعاملة، والتي لم تقم لها هذه الفتوى وزنا، لنفنِّد بموضوعية شديدة الشبه التي تذرَّعت بها الفتوى للقول بالإباحة:

1- إنَّ التأمين التجاري الذي من أفراده التأمين على الحياة، ليس تبرعا في الأصل كما ورد في الفتوى، بل هو من عقود المعاوضات المحضة؛ لأنَّ المعقود عليه فيه عوضان:
أحدهما يبذله المؤمن له وهو أقساط التأمين.
والثاني: مبلغ التأمين الذي تبذله شركة التأمين للمستفيد إذا سدد المؤمن أقساط التأمين، وحدث الخطر المؤمن ضده، من الموت أو العجز أو هلاك المال أو نحو ذلك، ويدل لتمحض عقده معاوضة امتناع شركة التأمين من دفع مبلغ التأمين للمستفيد إذا لم يوفِ المؤمَّن له كامل أقساط التأمين لسبب أو لآخر، حتى وإنَّ وقع الخطر الذي كان التأمين من أجله، وإذا كان يتمحض معاوضة فإنَّه يؤثر فيه الغرر والجهالة، وذلك يوقع أطراف العقد في نزاع بسببه، وقد نهى الشارع عن كل معاملة يترتب عليها ذلك .

2- إنَّ التأمين التجاري ليس يقوم على أساس من التكافل الاجتماعي أو التعاون على البر كما ورد في الفتوى؛ لأنَّ التكافل يقتضي أن لا ينتظر المتكافلون عوضا عما يقومون به، ولكن في التأمين التجاري ينتظر المساهمون العوض عن تعويض المضرور، وإلا فلن يكون منهم أي فعل إيجابي تجاهه؛ لأنَّ بغيتهم من تأسيس شركة التأمين هو الحصول على ربح وليس تخفيف الأضرار عن الغير، ويدل لهذا ما ورد في المادة العاشرة من وثيقة التأمين المنصوص عليها في الفتوى، والتي تعطى الحق لشركة التأمين في الاستحواذ على الأقساط التي دفعها المؤمن له، مع إبطال عقد التأمين إذا لم يوف بباقي أقساط التأمين، وأفراد مؤسسون هذا مقصدهم من تأسيس شركة التأمين، لا يتصور منهم تعاون على البر، وإنما المتصور أن يكون بينهم تعاون في الحصول على أعلى ربح من المؤمن لهم، بل وأكل أموالهم بالباطل أيضا .

3-ما استدل به للفتوى من قول الله تعالى: ” أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ “، لا دليل فيه على مشروعية التأمين التجاري، إذ الآية إنما تأمر بالوفاء بآثار العقود المشروعة، والأمر بالوفاء بآثار العقود لا دلالة فيه على مشروعية العقود كافة، وإلا كان عموم الأمر بالوفاء بالعقود مقتضيا مشروعية جميع العقود، حتى تلك التي نهى عنها الشارع: من مثل: البيوع المنهي عنها للغرر أو الربا أو نحوها، ولم يقل بذلك أحد ممن يعتد بقوله من أهل العلم.

4- إن التذرع للقول بحل التأمين كما ورد في الفتوى، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه بمنى في خطبة الوداع، وإنما أباح تملك مال الغير إذا طابت نفس صاحبه به، وهو ما حدث في التأمين التجاري فيكون مشروعا لذلك، هو قول يحمل في طياته ما يدحضه، فإن هذه المعاملة لم تكن في زمانه صلى الله عليه وسلم حتى يقرها أو يمنع منها، وليست خطبته في حجة الوداع شاملة لكل قضايا التشريع حتى تنسخ ما عداها، فلم تكن استعراضا لكل أحكام التشريع الإسلامي، وإلا لزم من ذلك أن ما لم يرد ذكره بها من أحكام التشريع لا يكون من أمر التشريع، وحديث: ” لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه “، لا يقتضي حل أخذ مال الغير في معاملة لم يقرها الشارع وإن توافر فيها الرضا من الطرفين، فمن يبذل رشوة لغيره قد طابت نفسه ورضيت كل الرضا بما بذل، ومن يشترى مسكرا أو مخدرا لا تطيب نفسه ببذل عوض ذلك فقط، وإنما قد يكون منه إلحاح على البائع بقبول ما بذل عوضا، مع أن هذه المعاملة وتلك لا يقرها الشرع الحنيف، ومن يبذل لامرأة عوضا عن اقترافه الفاحشة معها راض كل الرضا بما بذل، مع أن ذلك لا يقره الشرع، ومثل هذا كثير يضيق المقام عن ذكره.

5-قياس التأمين التجاري على المضاربة، من جهة أن المؤمن له يبذل أقساط التأمين إلى المؤمن، الذي يقوم باستغلالها لتحقيق الربح فيها لصالح المؤمن له، هو قياس مع الفارق من وجوه عدة، منها: أن المضاربة شركة بين المضارب ورب المال، على أن يضارب العامل في رأس المال ويكون الربح بينهما بنسب يتفقان عليها، وتكون الخسارة من رأس المال، والتأمين التجاري بخلاف ذلك، فإن المؤمن لا يبذل أقساط التأمين لتضارب مؤسسة التأمين بها، وإنما ليحصل المستفيد على مبلغ التأمين عند وقوع الخطر المؤمن ضده، ولا يذكر عند التعاقد صراحة أو ضمنا أن شركة التأمين تستثمر هذه الأقساط لصالح المؤمن له، أو أن ثمة ربح بينهما من ذلك أو خسارة تخصم من أقساط التأمين، وإنما تلتزم شركة التأمين بدفع المبلغ المتفق عليه مع المؤمن له سلفا، سواء استثمرت هذا المبلغ أم لا وسواء حققت مكاسب منه أم لا، يضاف إلى هذا أن المضارب أمين فيما تحت يده من رأس المال ما لم يخالف شروط المضاربة فيه ولم يقصر في عمله، بخلاف مبلغ التأمين فإن شركة التأمين ضامنة منذ البداية بتسليمه إلى المستفيد وإن تعرضت أقساط التأمين إلى الضياع أو التلف بغير تعد أو تقصير من الشركة .

6-استناد الفتوى إلى جريان عرف الناس بالتعامل بهذا النوع من العقود، لا يعد مستندا شرعيا لمشروعية التأمين التجاري، فإن العرف إما أن يكون في منصوص علي حكمه، فتكون الحجة في النص وليس في العرف الموافق، وإما أن يكون مصادما للنص فيكون عرفا غير معتبر شرعا، كجريان عرف الناس على التعامل بالربا في زماننا، وإما أن يكون عرفا في أمر لم يرد في شأنه نص، فيكون عرفا معتبرا إذا لم يترتب على اعتباره محظور شرعي، كاعتبار العرف في قبض الأموال وإحياء الموات والحرز في السرقة، وجريان عرف الناس على التأمين التجاري لا يقتضي مشروعيته، لأنه عرف مصادم للنصوص الشرعية التي حرمت الربا والقمار والغرر والجهالة وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها من محظورات يشتمل عليها التأمين التجاري .

7- اعتماد الفتوى على المصلحة المرسلة في القول بشرعية التأمين التجاري، غير مسلم، فإن الفرض أن المصلحة المرسلة مصلحة لم يعتبرها الشارع ولم يلغها، وليس ذلك متحققًا في التأمين التجاري، لأنه لو سلم اشتماله على مصلحة، فهي مصلحة ملغاة، لورود النصوص الكثيرة الدالة على عدم شرعية هذه المصلحة، مما يجعل عقده مفسدة لا مصلحة .

8- إنَّ قياس التأمين التجاري على التأمين التبادلي و الاجتماعي قياس مع الفارق؛ لأنَّ هذين الأخيرين لا يقصد منهما الحصول على ربح وإنما تخفيف الأضرار التي تصيب المستفيد من هذا التأمين أو ذاك، ومواساته، وليس كذلك التأمين التجاري الذي لا يقصد منه شيء من ذلك، كما أن الأصل في التأمين التبادلي والاجتماعي التبرع، بخلاف التأمين التجاري فالأصل فيه أنه معاوضة محضة، يضاف إلى هذا أنه لا ينظر إلى مقدار ما ساهم به المؤمن له في التأمين التبادلي والاجتماعي، بخلافه في التأمين التجاري فإنه يعول في تقدير مبلغ التأمين على مقدار ما يساهم به المؤمن له، ومن ثم فإن حكم هذين النوعين لا ينسحب على التأمين التجاري .

9- إنَّ أكثر حالات التأمين تتم من أفراد مع شركة التأمين، حتى أن فرض المسألة المسئول عنها في الطلب وهو التأمين على الحياة، إنما يقوم به أفراد ولا تقوم به شركات كما ورد في الفتوى، وسواء كان من أفراد أو شركات فإن الغرر لا ينتفي عن عقده إن كانت تباشر عقده شركة مع شركة التأمين، بل إن الغرر متصور سواء أبرمه معها أفراد أو شركات، فالغرر جزء من نسيج هذا العقد، ولا وجه للقول بأن الغرر في التأمين التجاري ليس فاحشا، وكيف لا والغيب المعلق عليه دفع أقساط التأمين لا يعلمه إلا الله تعالى، فأي غرر أشد من ذلك .

10- كما أنَّ القول بخلو التأمين التجاري من القمار قول مجاف للحقيقة، بل إنه عقد مقامرة كله، وليس القمار قائما على الحظ كما ورد في الفتوى، بل القمار كما عرفه الفقهاء: هو الذي لا يخلو أحد من المتقامرين فيه من غرم أو غنم، فإذا غنم أحدهما كان غنمه على حساب غرم الآخر، وإذا غرم أحدهما كان ذلك بسبب غنم الآخر، وذلك متحقق في التأمين التجاري بأجلي صورة، فإن شركة التأمين إذا حققت أرباحا من عملية التأمين، فإن ربحها يكون على حساب خسارة المؤمن له الذي دفع أقساطا أكثر من مبلغ التأمين، وإذا حققت خسائر، فإن ذلك يكون بسبب حصول المؤمن له على مبلغ تأمين أعلى مما بذل من أقساط، والحال عينه بالنسبة للمؤمن له .

11- ما ورد في الفتوى من تعديل أو إلغاء بعض بنود عقود التأمين التجاري، لا يصحح هذه العقود ولا يجعلها شرعية، بل إنَّ التعديل المقترح يخالف الشرع، فالقول برد أقساط التأمين مع استثماراتها إلى المؤمَّن عليه إذا بقي على قيد الحياة عند نهاية مدة التأمين، يخالف ما ورد في الفتوى من الأمر بالوفاء بالعقود، إذ المؤمَّن له ما التزم بدفع أقساط التأمين في العقد إلا لتردَّ شركةُ التأمين إلى المستفيد مبلغ التأمين المتفق عليه بالغاً ما بلغ عند حدوث الخطر المؤمَّن ضده، لا أن تردَّ عليه أقساطه التي بذلها، فاشتمال العقد على شرط مخالف لذلك يعود على أصل العقد بالنقض، كما أنَّ من البدهي أنَّ شركات التأمين إنما تستثمر أموال المؤمن لهم في بنوك ربوية، تتخذ الإقراض بفائدة وسيلة وحيدة لتحقيق ذلك، ومن ثم فإنَّ التعديل المقترح في الفتوى برد استثمارات أقساط التأمين، فيه أكل للربا، وتعامل به، وإقرار عليه، وقد لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه كما هو نص الحديث الشريف.

12- ورد في نهاية الفتوى ما يناقض أولها، إذ ورد في نهايتها أنَّ يكون التأمين إجباريا للتعللات التي ذكرت فيها، وقد ورد في صدر الفتوى أن التأمين التجاري يتراضى فيه الطرفان على أخذ مال بطريق مخصوص، فيكون حلالا، ومع الإجبار على التأمين الذي ورد في نهاية الفتوى لا يكون ثمة تراض؛ لأنَّ الإجبار ينعدم معه الرضا والاختيار، بحسبانه عيبا من عيوب الإرادة لا يقتصر أثره على حرمة أخذ أقساط التأمين فقط، بل إلى بطلان عقد التأمين كذلك، فأين مستند الفتوى للقول بحل أخذ أقساط التأمين من المؤمن له إذا أجبر على دفعها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ” ؟.

ومن تقوى الله تعالى وخشيته أن لا يهجم المرء على القول بحل شيء أو تحريمه، إلا إذا كان وجه الحق فيه أبلج، دون مراعاة لتقرير محرم أو مشتبه في حرمته، إعمالا لعُرفٍ ضلَّ ونهج تنكَّب على شِرعة الإسلام، واستمراء لباطل باض وفرَّخ، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل .
والله أعلم.