السؤال:

انتشرت في هذه الأيام ظاهرة منح البنوك قروضا للموظفين الصغار، وقد تورط فيها كثير من الناس مع أنها لم تكن ميسورة منذ وقت ليس بالبعيد؟ وقد فكرت لماذا لا أوسع على نفس وعيالي، فأحصل على قرض من هذه القروض، ولكني قلت : أسأل أهل الذكر أولا، فما رأيكم في هذه القررض، وطبعا هي قروض بفوائد؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

كانت تجربة البنوك مع كبار المستثمرين مرة الحصاد، فقد رسمت البنوك على مدى تاريخها الطويل أنها للأغنياء فقط، وأن الفقراء ومتوسطي الدخل لا يستطيعون أن ينتفعوا من القروض الكبرى التي يسمعون عنها.
وأصبح معظم علاقة هؤلاء بالبنوك مقصورة على الجانب الخدمي بعيدا عن الائتمان، مثل ( تحويل الأموال، وصرف المعاشات، وادخار فائض الأموال).

أما إذا فكر أحد من هؤلاء ( متوسطي الحال ) أن يقترضوا من البنوك فكانوا يجدون أنفسهم مطالبين بتقديم ضمانات عينية، لو أنها كانت بحوزتهم لما فكروا أصلا في الاقتراض الربوي .
وبعد حصاد البنوك المر مع كبار المستثمرين اتجهت أنظار البنوك إلى هذه الفئة من الناس التي طالما قصرت عنهم نظرها من قبل، فقد رأت أنهم – وإن قلت أموالهم – فهم قوم لا يخاطرون ولا يغامرون، وأن الدين يقض مضاجعهم، ويثقل كاهلهم، وأنهم يعدون العدة لكيفية قضائه، فضلا عما تأخذه من ضمانات من الشركات التي يعملون بها، تخول لهذه البنوك اقتضاء ديونها منهم أولا بأول.

وكان من آثار هذه النظرة…. إقراض الموظفين، ففتحت البنوك لهم فرصة الاقتراض التي طالما سمعوا عنها، وكان من آثار ذلك أن أسالت لعابهم، فتقدم العازم، وعزم المتردد، وفكر الخامل، واستدان كثيرون، بل وكرر الاستدانة غير واحد، وفي هذا ما فيه من آثار اجتماعية مخيفة، ليس هنا محل تسجيلها ورصدها.

إلا أن المشكلة الكبرى في هذه القروض أنها قروض ربوية، فالبنوك التقليدية لا تحسن غير هذا: التجارة في الديون إقراضا واقتراضا، وعلى هذا فلا يجوز للموظفين أن ينتفعوا بهذه القروض، ولا أن يقفوا على منافذ هذه البنوك مقترضين، وإلا كانوا معطين للربا موكلين له، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله كما روى مسلم وغيره من حديث عبد الله بن مسعود .

وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية) صححه الشيخ الألباني .
ولكن إذا اضطر المسلم إلى القرض ، ولم يجد إلا القرض الربوي فإن الإثم يقع على آكل الربا وحده بشرط عدم التوسع في مفهوم الضرورة ، فإن كان مضطرا لعشرة جنيهات فيحرم عليه أن يقترض أحد عشر .

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :-

آكل الربا هو الدائن صاحب المال الذي يعطيه للمستدين فيسترده بفائدة تزيد على أصله، وهذا ملعون عند الله وعند الناس بلا ريب ولكن الإسلام على سنته في التحريم – لم يقصر الجريمة على آكل الربا وحده بل أشرك معه في الإثم مؤكل الربا – أي المستدين الذي يعطى الفائدة – وكاتب عقد الربا، وشاهديه.
وفي الحديث: ” لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه “. (رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجة).
وإذا كانت هناك ضرورة ملحة اقتضت معطى الفائدة، أن يلجأ إلى هذا الأمر فإن الإثم في هذه الحال يكون على آخذ الربا (الفائدة) وحده.
1- وهذا بشرط أن تكون هناك ضرورة حقيقية، لا مجرد توسع في الحاجيات أو الكماليات، فالضرورة هي الأشياء التي لا يمكن الاستغناء عنها ، بحيث إذا فقدها الشخص أصبح معرضا للهلاك كالقوت والملبس الواقي والعلاج الذي لا بد منه.
2- ثم أن يكون هذا الترخيص بقدر ما يفي بالحاجة دون أي تزيد، فمتى كان يكفيه تسعة جنيهات مثلا فلا يحل له أن يستقرض عشرة.
3- ومن ناحية أخرى، عليه أن يستنفد كل طريقة للخروج من مأزقه المادي، وعلى إخوانه المسلمين أن يعينوه على ذلك، فإن لم يجد وسيلة إلا هذا، فأقدم عليه غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم.
4- وأن يفعل ذلك إن فعله وهو له كاره، وعليه ساخط، حتى يجعل الله له مخرجًا.

والله أعلم .