السؤال:

هل إذا دخلت أثناء خطبة الجمعة ووجدت مكانا خاليا في الصفوف الأولى فهل يجوز لي تخطي رقاب الجالسين لأجلس في هذا المكان؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يقول الشيخ عصام الشعار –الباحث الشرعي بالموقع -:
بداية الذهاب إلى الجمعة متأخرا بعد صعود الإمام المنبر وإن كان يسقط عنك الإثم، إلا أنه يحرمك من الثواب والأجر الذي أعده الله سبحانه للمبكرين، فمن بكر أجر، ومن تأخر حرم، فقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: ” من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر” رواه أبو دواد والنسائي وصححه الألباني..

أما تخطي الرقاب في صلاة الجمعة فيختلف حكمه باختلاف وقت دخول المسجد:
فإذا كان المسجد قد امتلأ بالمصلين قبل أن يصعد الإمام المنبر ووجد الداخل فرجة لا يستطيع الوصول إليها إلا بتخطي الرقاب فلا حرج عليه في ذلك بشرط ألا يؤذ أحدا.
وإن دخل المصلي بعد صعود الإمام المنبر فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز للداخل أن يتخطى رقاب الناس أثناء الخطبة لورود النهي عن ذلك ففي الحديث الذي رواه عبد الله بن بسر قال (جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اجلس فقد آذيت) رواه أبو دواد وابن ماجه وصححه الألباني.
واختلف الفقهاء في المراد بالنهي عن تخطي الرقاب يوم الجمعة إذا صعد الخطيب المنبر فذهب بعض الفقهاء إلى أن النهي محمول على التحريم، وذهب بعضهم إلى أنه محمول على الكراهة وهو مذهب أحمد ، واستثنى الفقهاء من التحريم أو الكراهة من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي..

يقول الإمام الشوكاني في نيل الأوطار:

اختلف أهل العلم في حكم التخطي يوم الجمعة , فقال الترمذي حاكيا عن أهل العلم إنهم كرهوا تخطي الرقاب يوم الجمعة وشددوا في ذلك . وحكى أبو حامد في تعليقه عن الشافعي التصريح بالتحريم . وقال النووي في زوائد الروضة : إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة. واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط . وروى العراقي عن كعب الأحبار أنه قال : لأن أدع الجمعة أحب إلي من أن أتخطى الرقاب . وقال ابن المسيب : لأن أصلي الجمعة بالحرة أحب إلي من التخطي . وروي عن أبي هريرة نحوه , ولا يصح عنه لأنه من رواية صالح مولى التوأمة عنه . قال العراقي : وقد استثني من التحريم أو الكراهة الإمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي , وهكذا أطلق النووي في الروضة , وقيد ذلك في شرح المهذب فقال : إذا لم يجد طريقا إلى المنبر أو المحراب إلا بالتخطي لم يكره لأنه ضرورة . وروي نحو ذلك عن الشافعي
وإذا دخل المصلي بعد صعود الإمام المنبر ووجد فرجة قريبة أي أنه سيتخطى رجلا أو اثنين فذهب الحنفية والشافعية إلى جواز تخطيهما.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
تخطي الرقاب في الجمعة إما أن يكون المتخطي هو الإمام أو غيره . فإن كان المتخطي هو الإمام , ولم يكن له طريق إلا أن يتخطى رقاب الناس ليصل إلى مكانه , جاز له ذلك بغير كراهة ; لأنه موضع حاجة.

وإن كان غير الإمام : فعند الحنفية : إما أن يكون دخوله المسجد قبل أن يشرع الإمام في الخطبة أو بعد الشروع فيها . فإن كان قبله : فإنه لا بأس بالتخطي إن كان لا يجد إلا فرجة أمامه , فيتخطى إليها للضرورة , ما لم يؤذ بذلك أحدا ; لأنه يندب للمسلم أن يتقدم ويدنو من المحراب إذا لم يكن أثناء الخطبة ; ليتسع المكان لمن يجيء بعده , وينال فضل القرب من الإمام. فإذا لم يفعل الأول ذلك فقد ضيع المكان من غير عذر , فكان للذي جاء بعده أن يأخذ ذلك المكان وإن كان دخوله المسجد والإمام يخطب : فإن عليه أن يستقر في أول مكان يجده ; لأن مشيه في المسجد وتقدمه في حالة الخطبة منهي عنه ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { فلم يفرق بين اثنين } وقوله : { ولم يتخط رقبة مسلم , ولم يؤذ أحدا } وقوله { للذي جاء يتخطى رقاب الناس : اجلس : فقد آذيت وآنيت } .

وعند المالكية يجوز لداخل المسجد أن يتخطى الصفوف لفرجة قبل جلوس الخطيب على المنبر , ولا يجوز التخطي بعده ولو لفرجة. وقد نص الحنفية والشافعية على أنه إن لم يكن للداخل موضع وبين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بتخطي رجل أو رجلين لم يكره له ذلك ; لأنه يسير . وإن كان بين يديه خلق كثير , فإن رجا إذا قاموا إلى الصلاة أن يتقدموا جلس حتى يقوموا , وإن لم يرج أن يتقدموا جاز أن يتخطى ليصل إلى الفرجة ; لأنه موضع حاجة , وهذه إحدى الروايتين عن أحمد , وفي رواية أخرى أن للداخل إذا رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي جاز له ذلك.

وإذا جلس في مكان , ثم بدت له حاجة أو احتاج الوضوء فله الخروج ولو بالتخطي . { قال عقبة : صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم , ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه , فقال : ذكرت شيئا من تبر عندنا , فكرهت أن يحبسني , فأمرت بقسمته } فإذا قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به } وحكمه في التخطي إلى موضعه حكم من رأى بين يديه فرجة على نحو ما مر.

ويجوز التخطي بعد الخطبة وقبل الصلاة , ولو لغير فرجة , كمشي بين الصفوف ولو حال الخطبة. قال به المالكية . والتخطي للسؤال كرهه الحنفية , فلا يمر السائل بين يدي المصلي, ولا يتخطى رقاب الناس , ولا يسأل الناس إلحافا إلا إذا كان لأمر لا بد منه.
والله أعلم .