السؤال:

اتفقت مع خياط على تفصيل فستان مقابل أجرة يد 300 ريالا وأحضرت له القماش، وبعد الانتهاء من تفصيله قمت بقياسه في البيت فلم يعجبني الفستان إطلاقا، وأعتقد أنه لا مجال لإصلاحه؛ لذلك لم أرجع إلى الخياط لا بالفستان ولا بالمبلغ ،وهذا منذ ثلاث سنوات فهل أنا آثمة؟ وهل دفع الأجرة واجب علي مع أن الفستان لا يصلح ؛حيث إنني خسرت القماش؟ وان كان واجبا علي دفع المبلغ فإن الخياط قد ترك المملكة ،ولا أعرف عنوانه .

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

هذه الصورة التي حدثت بينكما كانت إجارة، وعقد الإجارة يكون لازما بين الطرفين إذا حصل على الصورة المشروطة، فإذا كنت وصفت له صورة معينة لهذا الفستان إلا أنه لم يلتزم فأنت مخيرة بين قبول الفستان بالوضع الذي عليه ، وإعطائه الأجرة كاملة، وبين رد الفستان إليه، ومطالبته بثمن القماش، وإذا كان قد التزم بما قلته له فيجب عليك أن تعطيه أجرته، فإذا كنت لا تعرفين مكانه الآن فعليك أن تتصدقي بهذا المبلغ عنه.

وإذا كنت لم تحددي له وصفا معينا، ولم تشرطي شروطا معينة فمرد ذلك إلى العرف؛ لأن العرف يصار إليه عند عدم الشروط، فإذا كانت قواعد العرف تقرر أن هذا الفستان قد فسد فعليه ثمن القماش، وليس له أجرة، لكن عليك أن تعطيه الفستان، وإذا كان العرف يقرر أنه لم يفسد إلا أن صورته لم تعجبك لتفاوت الأذواق فلا بد أن تتصدقي بالأجرة عنه، وعند الاختلاف في تقرير ما عليه العرف يرجع حينئذ لأهل الخبرة.

قال الكاساني في بدائع الصنائع من كتب الحنفية:-

فإن سلم حديدا إلى حداد ، ليعمل له إناء معلوما بأجر معلوم ، أو جلدا إلى خفّاف ( صانع الخفاف) ليعمل له خفا معلوما ، بأجر معلوم ، فذلك جائز ، ولا خيار فيه ، لأن هذا ليس باستصناع ، بل هو استئجار ، فكان جائزا . فإن عمل كما أمر استحق الأجر ، وإن فسد فله أن يضمنه حديدا مثله ، لأنه لما أفسده فكأنه أخذ حديدا له واتخذ آنية من غير إذنه والإناء للصانع ، لأن المضمونات تملك بالضمان . انتهى.

وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب المالكية :
وفي الإجارة يعمل بالعرف في كون الخيط على الخياط أو على رب الثوب ، فيقضى بما جرى به العرف في هذه الأشياء ، إذ العرف قاعدة من قواعد الشرع .انتهى.

وجاء في شرح مجلة الأحكام العدلية في تقنين المذهب الحنفي:-

إذا عمل الأجير للمستأجر على الصورة التي اشترطها، فالمستأجر مجبر على القبول، يعني أنه لو أعطى أحد كمية من الحديد إلى حداد ، وقاوله على أن يعملها شيئا معينا ،وعملها الحداد حسب أمره فهو مجبر على قبول ما عمل.
أما إذا خالف أمره فيما عمله ، وكانت المخالفة في الجنس ضمن الحداد قيمة الحديد ، ويبقى له ما عمل ، وإذا كانت المخالفة في الوصف فصاحب الحديد مخير إذا شاء ضمنه الحديد وترك له ما صنع ، وإذا شاء قبله وأعطاه أجرته.
فلو صنع الحداد فأسا من الحديد الذي أعطي إليه مع أنه كان مطلوبا منه أن يصنعه شيئا آخر غير الفأس ضمن الحديد المعطى إليه ،ويبقى الفأس له، وهنا لا يكون صاحب الحديد مخيرا ، أما إذا صنع الحداد منحتا لقطع الحطب من الحديد الذي أعطي إليه ليصنع منه منحت نجار فلصاحب الحديد هنا الخيار إذا شاء ضمنه الحديد وتركه له ، وإذا شاء قبل المنحت الذي صنع وأعطاه أجرته.
كذلك لو استأجر أحد خطاطا لنسخ كتاب وأخطأ فيه ينظر ، فإذا كان الخطأ موجودا في كل صحيفة فله أن يقبله ويعطي الخطاط أجرة المثل على ألا يتجاوز الأجر المسمى ، وإذا شاء ترك للخطاط الكتاب المنقول وضمنه قيمة الورق والحبر .

وإذا كان الخطأ في بعض صفحات الكتاب فقط فعليه قبوله على أن يؤدي أجرة صفحاته التي نسخت صوابا بنصيبها من الأجر المسمى وأجرة صفحات الخطأ بأجرتها المثلية. استثناء : إنه وإن لزم في إجارة الآدمي بيان مدة الإجارة ، أو تعيين العمل ، كما ذكر في المجلة إلا أنه يستثنى من ذلك السمسار والدلال والحمامي والحكاك ومن إليهم ممن لا يمكن تقدير الوقت أو العمل في استئجارهم ، ويصح استئجارهم بلا بيان الوقت والمدة استحسانا لاحتياج الناس إليهم ، والأجرة التي تؤخذ تكون حلالا لآخذها إذا كانت بقدر أجر المثل.

والله أعلم .