السؤال:

يدّعي بعض الناس ملكيتهم بعض الأراضي عن طريق ما يسمّى حق التقادم ، مع أن تلك الأراضي ليست من أملاكهم فعلاً ، وإنما استعملوها لسنوات طويلة ثم اَدعوا ملكيتها ، فما هو قولكم في هذه القضية ؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

من كان له حق كعقار أو مال ، ثم رأى غيره يحوز ماله، ويتصرف فيه تصرف الملاك، كأن يراه يهدم ويبني ويؤجر مع طول الزمان ، ثم سكت على ما يراه، ولم يتقدم بدعوى طوال هذه الفترة ، ولم يمنعه من رفع دعواه رهبة ولا رغبة ، فإن هذه السكوت الطويل يبطل حقه في رفع دعواه؛ لأن هذا السكوت طوال هذه المدة إزاء هذا التصرف من غير عذر في السكوت مما يوجب الريبة في صدقه.

ولكن ليس معنى ذلك أن الحائز يجوز له أخذ ما تحت يده، وهو يعلم أنه ليس ملكه، فإنه إن فعل ذلك يكون كأنه اقتطع قطعة من النار، فالقضاء لا يبطل الحقوق، ولا يجعل الحرام حلالا، ولكن المقصود من التقادم هو تنظيم إجرائي لرفع الدعاوى فقط.
يقول الأستاذ الدكتور حسام الدين عفانه:- :
حق التقادم ، هو انقضاء زمان معين كخمسة عشر عاماً أو أكثر أو أقل على حق في ذمّة إنسان أو مرور تلك المدة على عين لغيره في يده ، دون أن يطالب صاحبها ، وهو قادر على المطالبة ، المدخل الفقهي العام 1/243 . ويسمّى حق التقادم أيضاً مرور الزمان أو مضي المدة أو وضع اليد .
ومن المقرر عند أهل العلم ، أن أسباب الملكية في الشريعة الإسلامية أربعة وهي : 1 – إحراز المباحات . 2 – العقود ، كالبيع والشراء . 3 – الخلفية ، كالميراث . 4 – التولد من المملوك . وحق التقادم ليس سبباً من أسباب التملك الصحيحة في الشريعة الإسلامية ، فلا يعتبر حق التقادم سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة .
فلا يجوز شرعاً لأي إنسان أن يأخذ مال غيره بلا سبب شرعي ، ويدل على ذلك قول: الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس ) رواه أحمد والبيهقي والطبراني ، وقال الشيخ الألباني: صحيح ، إرواء الغليل 5/279 . ولأن الحق في الإسلام أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي.

ولكن المجتهدين من فقهاء الإسلام بيّنوا أن حق التقادم يكون سبباً في منع الاستماع للدعوى بعد مضيّ مدة معينة كست وثلاثين سنة أو ثلاثين سنة أو خمسة عشرة سنة أو غير ذلك ، لأن إهمال صاحب الحق لحقه هذه السنوات الطويلة بلا عذر ، مع تمكنه من التقاضي يدل على عدم الحق غالباً فلو كان الحق لشخص ومضى عليه زمن طويل ، ولم يطالب به فلا يعني هذا زوال حقه وضياعه ، ولكن العلماء اجتهدوا ، فمنعوا ذلك الشخص أن يترافع أمام القضاء بعد مضي تلك السنوات الطويلة وذلك تجنباً لإثارة المشكلات في الإثبات وما يتعلق بالقضاء من أمور أخرى ، فمرور الزمان أو التقادم لا يسقط الحقوق مطلقاً بل الحق يبقى لصاحبه فمن وضع يده على قطعة أرض ليست له واستعملها سنوات طويلة لا يعني ذلك أن ملكيتها انتقلت إليه ، فلا تبرأ ذمته إلا إذا أعادها إلى صاحبها ، لأن الحقوق الثابتة لا يؤثر فيها مرور الزمن أو تقادم العهد . وحق التقادم المانع من سماع الدعوى أمام القضاء يكون مقبولاً إذا لم يكن هنالك عذر شرعي في عدم رفع الدعوى ، وأما إذا وجد عذر شرعي في عدم رفع الدعوى فإن الدعوى تسمع ولا يعتبر حق التقادم حينئذ مانعاً من سماع الدعوى .
جاء في المادة 1663 من مجلة الأحكام العدلية( وهي المجلة التي تم فيها تقنين المذهب الحنفي) : ” والمعتبر في هذا الباب ، أي في مرور الزمن المانع لاستماع الدعوى هو مرور الزمن الواقع بلا عذر فقط ، وأما في الزمن الحاصل بأحد الأعذار الشرعية ككون المدعي صغيراً أو مجنوناُ أو معتوهاً ، سواء كان له وصيٌ ، أو لم يكن له ، أو كونه في ديار أخرى مدة السفر ، أو كان خصمه من المتغلبة فلا اعتبار له ، فلذلك يعتبر مبدأ مرور الزمن ، من تاريخ زوال واندفاع العذر ، مثلاً لا يعتبر الزمن الذي مرّ حال جنون أو عته أو صغر المدّعي ، بل يعتبر مرور الزمن من تاريخ وصوله حد البلوغ ، كذلك إذا كان لأحد مع أحد المتغلبة دعوى ، ولم يمكنه الإدعاء لامتداد الزمن زمن تغلب خصمه وحصل مرور زمن لا يكون مانعاُ لاستماع الدعوى وإنما يعتبر مرور الزمن من تاريخ زوال التغلب ” .

وأخيراً يجب أن يعلم ، أن القضاء في الإسلام مظهر للحق لا مثبت له ، وأن حكم القاضي لا يغير حقيقة الأشياء ، لأن القاضي يحكم حسب الظاهر وبحسب اجتهاده .

والله أعلم .