السؤال:

السلام عليكم ، ورحمة الله، وبركاته بينما كنت جالسا على كرسي بالأتوبيس إذ برجل مهيب الطلعة يصعد الأتوبيس، ولم يكن به مكان للجلوس، فقمت من مكاني لأوثره به فتأبى علي. فأقسمت عليه أن يجلس حتى أقطع عليه تمنعه، إلا أني فوجئت به يقول: لا تتعب نفسك فهذه يمين كرم لا كفارة فيها. فهل صحيح ما قال؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :-
هذه اليمين تسمى يمين الإكرام، وهي التي لا يقصد فيها الحالف اليمين، بل يقصد إكرام المحلوف عليه، وهذه اليمين قد ذهب جماهير أهل العلم إلى أنها منعقدة واجبة الإبرار، وأن فيها الكفارة عند الحنث… مثلها مثل بقية الأيمان .

بينما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن هذه اليمين لا كفارة فيها عند الحنث. والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن فيها الكفارة عند الحنث .

وقد جاء في دراسة للشيخ راشد بن فهد آل حفيظ- القاضي بالمحكمة العامة بالمخواة بالمملكة العربية السعودية- نشرها موقع الإسلام اليوم ما يأتي:-

يمين الإكرام: الحلف على الغير بأن يفعل شيئاً قاصداً – أي الحالف – بذلك الإكرام كمن حلف على غيره بأن يتغذى عنده، أو يجلس في مكان معين، قاصداً بذلك الإكرام، لا الإلزام
وقد ذهب جماهير الفقهاء – الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة)- إلى وجوب الكفارة في هذه اليمين بالحنث .

واستدلوا بعموم الأدلة، ومنها ما يلي :
الدليل الأول:
قوله تعالى : (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) البقرة 225. وقوله تعالى : (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ  بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ). 89 المائدة
وجه الاستدلال :
أن عموم هاتين الآيتين يشمل كل من عقد اليمين وكسبها بقلبه سواء قصد بها الإكرام أم لا .

الدليل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: ” من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير”، وفي رواية : ” فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينيه “.
وجه الاستدلال :
أن هذا الحديث عام، يشمل كل من حلف قاصداً اليمين على أمر مستقبل، سواء قصد بها الإكرام أو لا .
هذا ما ذهب إليه جماهير الفقهاء، وهو القول الأول في هذه المسألة .

أما القول الثاني فهو عدم وجوبها في هذه اليمين وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية .
واستدل شيخ الإسلام بدليلين :-

الدليل الأول: قصة أبي بكر – رضي الله عنه- لما صلى بالناس .
وفيها : أن النبي – صلى الله عليه وسلم- جاء والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فأشار إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أن امكث مكانك،….. ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر: ما منعك أن تثبت إذ أمرتك” .فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله –صلى الله عليه وسلم – .

وجه الاستدلال :
أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- لم ينكر على أبي بكر، عدم امتثاله لأمره، مع أن امتثال أمره واجب، مما يدل على أن الأمر إذا أريد به الإكرام لم يلزم امتثاله ،ولم يُعد مخالفه عاصياً، وعليه فاليمين التي يراد بها الإكرام كذلك، لا يعد مخالفها حانثاً .

ونوقش هذا :
بأن من أكد أمره باليمين- سواء قصد به الإكرام أم لا- داخل في عموم قوله –تعالى- ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) وحينئذٍ تُعدُ مخالفة أمره حنثاً، لكونه قد أكده باليمين .
الدليل الثاني: قصة أبي بكر- رضي الله عنه- أيضاً، لما فسَّر الرؤيا، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم- : ” أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً” فقال أبو بكر: فوالله، لتحدثني بالذي أخطأت، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- : ” لا تقسم “.

وجه الاستدلال :
أن النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يأمره بالكفارة، ولم يذكر عنه أنه كفَّر، لكونه لم يرد الإقسام على النبي – صلى الله عليه وسلم- ولا إلزامه بأن يخبره مع المصلحة المقتضية للكتم، مما يدل على أنه لا كفارة على الحالف الذي يريد الإكرام لا الإلزام .

ونوقش:
بأن عدم أمره بالكفارة لا يدل على سقوط وجوبها، لكونه قد علم من نصوص أخرى كقوله – تعالى-: ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان (

ويمكن أن يستدل لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية- أيضاً:-بقصة أبي بكر- رضي الله عنه- مع أضيافه، عندما أبوْا الأكل قبله، فقال: والله، لا أطعمه الليلة، فقالوا: والله، لا نطعمه حتى تطعمه، فسمى فأكل، فأكلوا، فلما أصبح غدا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، بروا وحنثت، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- ” بل أنت أبرهم وأخيرهم”)
وجه الاستدلال:
أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- لم يأمر أبا بكر بالكفارة، بل قال له: ” أنت أبرهم”، لكونه قد قصد بيمينه الإكرام، مما يدل على أنه لا كفارة على الحالف الذي يريد الإكرام .

ونوقش:
بأن عدم أمره بالكفارة لا يدل على سقوط وجوبها، لكونه قد علم من نصوص أخرى كقوله – تعالى-: ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان(وقوله صلى الله عليه وسلم: “من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه “.
أما قوله صلى الله عليه وسلم- : ” أنت أبرهم” فمعناه: أكثرهم طاعة وخير منهم، لأنك حنثت في يمينك حنثاً مندوباً إليه محثوثاً عليه – كما في قوله: “فليأت الذي هو خير” فأنت أفضل منهم .

وعُلل لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، بما يلي :
أن الإكرام قد حصل بمجرد اليمين، فكأنه قال: والله إني أكرمك بهذا، وقد تم .

هذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام – رحمه الله-وفيه وجاهة، و تخفيف على الناس- بلا شك- لكن عموم الأدلة يقتضي خلافه؛ إذ يقتضي وجوب الكفارة في هذه اليمين .

والله أعلم .