السؤال:

ما معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم " ...فو الذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع. فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل النار. فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار. حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع. فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل الجنة. فيدخلها". وهل يعني هذا أن من كتبه الله من أهل الجنة سيدخلها ومن كتبه الله من أهل النار سيدخلها بعيدا عن عمله ؟

الجواب:

فالله تعالى لا يجبر أحدا على عمل السيئات، كما أنه سبحانه لا يجبر أحدا على إتيان العمل الصالح، وقد قال الله تعالى في كتابه :” وهديناه النجدين”، فالإنسان أمامه طريق الخير وطريق الشر، ومكانة الإنسان في الجنة أو النار لا يعرفها أحد إلا الله، فهذا مما استأثر الله تعالى بعلمه، ومع هذا، فالناس يتعبون أنفسهم في شيء يجهلونه تماما.
وقد تكلم العلماء عن هذا الحديث كلاما طويلا، ويمكن الجمع بين رواية الحديث “إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه القلم أو الكتاب” و رواية أخرى في البخاري وفيها زيادة :” فيما يبدو للناس” ، يعني أن هناك من المنافقين الذين يظهرون ما يخفون، فيظهرون الإيمان ويخفون الكفر، ولو سألت أحدا من الناس عن هذا الرجل ،لقال هو من أهل الجنة، ولكن الله تعالى يعلم سريرته.
وهذا يعني أن كل إنسان مجازى بما عمل، ويشهد لهذا عشرات الآيات القرآنية التي تجمع بين الجزاء والعمل (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها )، وغيرها من الآيات.
وربما يكون للحديث معنى آخر، هو الدعوة لعدم الاغترار بالعمل الصالح، والدعوة للإخلاص وعدم الرياء، لأن في الاغترار والرياء مفسدة إحباط العمل، مما قد يجعل المرء لا يستطيع الاستقامة على الطريق، فيضل في آخر أيامه، وذلك من كسب عمله وليس من القدر.

ويمكن تفسير سبق الكتاب والقلم هنا بعلم الله تعالى الأزلي ، وليس بقدر الله الغالب على أمر الإنسان، ومن المعلوم أنه يدخل فيما يعرف بالقدر أنواع، منها القدر الغالب الذي يجبر المرء عليه، والقدر الاختياري، مما فيه للإنسان كسب، فهذا هو عند الله قدر من حيث العلم وليس من حيث التقدير، فيكون قدر علمي، وهذا هو السبق، لأن السبق قد يكون بمعنى الغلبة، وعلم الله تعالى غالب على جميع العلوم، ولا يعني هذا تدخل الله تعالى في تحويل العاصي إلى طائع، أو الطائع إلى عاص، وإن كان لله أن يفعل ما يشاء، ولكن من صفاته سبحانه أنه عدل، وأنه رحمن، وهو متصف بكل صفات الكمال والجلال.
فيؤخذ بهذه التأويلات مع بقاء الحديث صحيحا.

ومن الأمور التي ثار حولها جدل كبير موضوع القدر، وأن الفهم الذي يفهمه البعض من أحاديث القدر، من كون أن الله تعالى جعل للجنة ناسا سيدخلونها، وأن للنار ناسا سيدخلونها، ولا فائدة من العمل في الدنيا، فهو فهم مغلوط، لأن من صفات الله تعالى أنه عدل، قال تعالى :”ولا يظلم ربك أحدا”، وقال :” وما ربك بظلام للعبيد”، فكيف يستوي أن الله عدل، وفي ذات الوقت أنه اختار للجنة ناسا، وللنار ناسا، إن الحديث صحيح، وهو من الأحاديث المتواترة، لكن فهمه ليس على هذا النحو.
إن الفهم الصحيح للحديث، هو أن الله تعالى بعلمه يعلم أهل الجنة مسبقا، وأهل النار مسبقا، لكنه لا يجبر أحدا على فعل شيء، فقدره هنا بمعنى العلم الأزلي، وليس التدخل في فعل الإنسان وإجباره على شيء.
وفي هذا المقام يضرب المثل بأن هناك إنسانا خبيرا بصناعته، أو مدرسا عنده علم وخبرة بتلامذته الذين يشرح لهم من سنين، وهو عالم بقدرات كل أحد، فهو يعلم أن فلانا متفوق، وهو سينجح، وأن فلانا فاشل لن يأخذ بالأسباب ، وهو بالتالي سيرسب، فهل يعني أن هذا المدرس قد تدخل في مستقبل تلامذته، وهل منع الفاشل أن يتحول إلى ناجح بمذاكرته ؟ فما بالنا بمن هو عالم بخفايا النفس التي قد تجهلها هي؟ وما بالنا بمن كنا صنعته ؟ كما أن هناك آية عظيمة تساق في هذا الشأن، وهو قوله تعالى :” يمحو الله ما يشاء ويثبت” ، وهذا أيضا حسب علم الله تعالى، لا إجباره للناس على شيء.
وبهذا ينتفي فهم من رأى أن الله يجبر أناسا على دخول الجنة، ويجبر أناسا على دخول النار، وأن الجزاء مرتبط بالعمل، وأن العمل الصالح توفيق من الله تعالى الذي هيأ للإنسان الأسباب، واختيار الإنسان هذا العمل الصالح مع تيسير الله له، يثاب عليه عند الله.