السؤال:

أنا متزوج منذ 10 سنوات وأعيش حياة سعيدة مع زوجتي وكانت لي نعم الزوجة طوال هذه السنين، ولكن توجد مشكلة لم أصارح بها زوجتي لما أراه منها من نبل الأخلاق والطباع ومشكلتي تكمن في عزوفها عن الجنس فقل أن تتوافق معي عند حاجتي إلى هذا الأمر ، وأجد في نفسي رغبة شديدة إلى هذا الأمر فهل يجوز لي أن أتزوج بأخرى في هذه الحالة مع العلم أنني ميسور ماديا والحمد لله ولكن كما ذكرت زوجتي لا أعتب عليها في خلق أو دين فهل يجوز لي الزواج بأخرى والحالة هذه؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

 

فتعدد الزوجات لم يقيده الإسلام إلا بشرط واحد وهو العدل بين الزوجات في النفقة والمبيت، فمن علم من نفسه القدرة على العدل بين زوجاته فله أن يعدد سواء كان للتعدد سبب أم لا؟ أما من غلب

على ظنه عدم القدرة على العدل بين نسائه فلا يجوز له أن يعدد لقوله سبحانه: “فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة”

 

 

يقول فضيلة الشيخ الدكتور القرضاوي – حفظه الله-:

 

 

الشرط الذي اشترطه الإسلام لتعدد الزوجات هو ثقة المسلم في نفسه أن يعدل بين زوجتيه أو زوجاته في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت والنفقة، فمن لم يثق في نفسه بالقدرة على

أداء هذه الحقوق بالعدل والسوية حرم عليه أن يتزوج بأكثر من واحدة قال تعالى: (…فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء:3. وقال عليه الصلاة والسلام: “من كانت

له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا أو مائلا”.

 

 

والميل الذي حذر منه هذا الحديث هو الجور على حقوقها، لا مجرد الميل القلبي، فإن هذا داخل في العدل الذي لا يستطاع، والذي عفا الله عنه وسامح في شأنه، قال سبحانه وتعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ

أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) النساء:129. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: “اللهم

هذا قسمي فيما أملك.. فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك” يعني بما لا يملكه أمر القلب والميل العاطفي إلى إحداهن خاصة.

 

 

وكان إذا أراد سفرا حكم بينهن بالقرعة، فأيتهن خرج سهمها سافر بها. وإنما فعل ذلك دفعا لوخز الصدور، وترضية للجميع. أ هـ

 

 

ويقول الدكتور يونس الأسطل – أستاذ الشريعة بالجامعة الإسلامية بغزة – فلسطين-:

 

 

جاء الإسلام فوجد العرب يتزوجون من غير قيد وقد يكون عند الرجل عشر نسوة أو أكثر فقام الإسلام بتقييد هذه الفوضى وحصر التعدد في أربع نسوة على الأكثر.

 

والإسلام بذلك يواجه مشكلات المجتمع بعلاج ممتاز ففي الوقت الذي تندلع فيه الحروب ويترمل مئات النسوة أو يزداد عدد الإناث لأي سبب من الأسباب أو تكون المرأة عقيما أو مريضة لا تستطيع خدمة

زوجها أو يكون الرجل من الفحولة بحيث لا تحصنه زوجة واحدة لاتصافها بشيء من العزوف عن الرغبة في الغريزة أو لطول فترة حيضها ونفاسها، أو تكون الأمة في حاجة إلى المزيد من المواليد لمواجهة

الحروب الطويلة أو لتعمير الأراضي وإحياء الموات.

 

 

لكل ذلك أقر الإسلام مبدأ التعدد بشرط العدل بين الزوجات حتى لا يؤدي الاقتصار على واحدة إلى شيوع الفاحشة في المجتمع أو بقاء الأمة عاجزة عن مواجهة عدوها.

 

ولم يشترط القرآن على الرجل الراغب في التعدد إلا العدل بين الزوجات في النفقة والمبيت، ومن أراد الزواج بأخرى دون سبب جاز له ذلك ما دام قادرا على النفقة ملتزما بالعدل بين الزوجات.

 

قال تعالى : (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) النساء 3.

 

فتعدد الزوجات لم يقيده الإسلام إلا بشرط واحد وهو العدل بين الزوجات في النفقة والمبيت، فمن علم من نفسه القدرة على العدل بين زوجاته فله أن يعدد سواء كان للتعدد سبب أم لا؟ أما من غلب

على ظنه عدم القدرة على العدل بين نسائه فلا يجوز له أن يعدد لقوله سبحانه: “فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة”

 

 

ويقول الدكتور أحمد يوسف سليمان أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة :

 

 

تعدد الزوجات أمر مباح، سواء كان بالزوجة عيب يضطر زوجها إلى تعدد زوجاته، أم لم يكن، لكن من المستحب ألا يعدد الرجل زوجاته إلا لسبب قوي، مثل عقم الزوجة، مرضها المقعد الذي يحول بينها

وبين القيام بحقوق زوجها عليها، وبشرط أن يكون هذا الزوج الذي يعدد زوجاته قادرًا على القيام بحقوق الزوجية لهؤلاء الزوجات ماديًا، وأدبيًا، وأن يعدل بينهن، لأنه إذا لم يكن قادرًا على الإنفاق على

زوجاته، أو كان سيقع في الظلم إذا عدد زوجاته، فإن هذا مرفوض شرعًا بالنسبة إليه؛ لأن تعدده سيؤدي به إلى الظلم، والظلم حرام، فما يؤدي إلى الحرام حرام.

 

 

والعدل المطلوب بين الزوجات هو العدل الممكن في الإنفاق والمبيت دون الجماع؛ لأن الأخير مترتب على الرغبة، وهذه الرغبة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها مهما حاول من مراعاة العدل، وفي شروط

التعدد يقول الله تعالى: “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ “. النساء 3

 

 

وفي رفع الحرج عن المسلم الذي يعدد زوجاته ولا يمكنه العدل بينهن في المحبة والرغبة يقول الله تعالى: “وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ

 

فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا”، وفي الآية تحذير من الميل إلى إحدى زوجتيه دون الأخرى، بحيث يحظى بإحداهما ولا يؤدي حق الأخرى عليه، وهذا ما تسميه الآية

بالميل.

 

 

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي لا يعدل بين زوجاته، بل يميل إلى إحداهما، بأنه يأتي يوم القيامة وشقه مائل، ولكن الحرج المرفوع هو أنه غير مطالب بأنه كلما جامع واحدة جامع

الأخرى، لأن هذا مبني على الرغبة.

 

 

ويقول فضيلة الشيخ عبد الخالق الشريف من علماء الأزهر :

 

 

فإن الإسلام قد أباح في أصل الأحكام تعدد الزوجات، ومعنى تعدد الزوجات أن الرجل يتزوج بأكثر من امرأة في وقت واحد، ويكن في عصمته، وقد حدد الإسلام الحد الأقصى لذلك بأربع من النساء.

 

وتعدد الزوجات تعتريه الأحكام الخمسة، فمرة يكون واجبًا، وفي أخرى يندب إليه، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون منهيا عنه أو محرما، وذلك بحسب العوامل والظروف التي تكتنف وتحيط

بالمتزوج وأسباب زواجه وقدراته.

 

 

فمثلاً إذا كان رجلاً متزوجًا بامرأة، وكان شديد الحاجة إلى النساء، ولكن زوجته لا تقبل ذلك، أو مريضة مرضًا مزمنًا يحول دون استمتاعه به، وخشي على نفسه الوقوع في الزنى، وكان قادرًا يمتلك القدرة

المالية والقدرة البدنية على إتمام الزواج بالثانية أو الثالثة، وعلى أن يقيم العدل البشري في حدود الطاقة البشرية المطلوب منه؛ فهذا تعدد الزوجات في حياته واجب شرعًا.

 

 

وإذا تزوج رجل بامرأة لا تنجب مثلاً، أو أنجبت وغير راغبة في مزيد من الأولاد، فأراد طلب الذرية أو كان له أخ مات وترك صبية صغارًا، فأراد أن يتزوج امرأته لكي يرعى أولاد أخيه، فهذه أمور يندب إلى تعدد

الزوجات فيها بشرط امتلاك القدرتين وإقامة العدل.

 

 

أما إذا كان الزواج بقصد التلذذ والتذوق، وكأن المرأة طعامًا يؤكل منه، ثم يرمى البقية، أو كان الراغب في تعدد الزوجات يفتقد القدرتين المالية أو البدنية أو إحداهما، أو كان لا ينوي إقامة العدل بينهن،

فمثل هذه الحالات يتردد حكم تعدد الزوجات بين الكراهة والتحريم. وما ليس من هذا ولا ذاك فحكمه الإباحة.

 

 

فأما الدليل فقوله تعالى: “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع”، وفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته.

 

وأما الشروط والضوابط المطلوبة، فهي أن يكون لديه قدرة مالية على الإنفاق عليهم، وقدرة بدنية لأداء حق كل امرأة، وإقامة العدل المطلوب بينهما، ولا يطلب العدل المطلق، لأنه أمر إلهي ولكن

المطلوب العدل البشري.

 

 

والحالات التي يشرع فيها تعدد الزوجات منها ما بيناه، وما لم نبينه، فالأمر فيه على الإباحة ما لم يصل صاحبه إلى حدود المكروه أو المحرم.

 

أما الحكمة من تشريعه، فيلتمسها كثير من العلماء وقبل أن نبين ما قالوه نحب أن نوضح أن الحكم الشرعي الثابت بالكتاب والسنة يجب إمضاؤه، سواء أدركنا هذه الحكم أم لم ندركها، فمثلاً الخنزير

يحرم أكله، ولكن القرآن لم يخبرنا لما ولا لماذا، ويأتي بعض الأطباء ليقولوا بسبب ما فيه من دودة شريطية أو غير ذلك، فهل يتوقف الحكم الشرعي على هذه الحكم، أم أن المحرم الثابت في الكتاب

والسنة هو محرم والحلال هو حلال.

 

 

وعلى ذلك فيقول العلماء: إن من حكم تشريع تعدد الزوجات:

 

 

1- كثرة عدد النساء على الرجال.

 

2- ما يصيب الرجال من قتل في الحروب.

 

3- ما يعترض النساء من أيام حيض ونفاس قد تطول عند إحداهن إلى نصف الشهر، ويكون زوجها شديد الحاجة إلى النساء.

 

4- طلب الذرية والإكثار منها.

 

 

وغير ذلك من أمور كثيرة تجدها في الكتب المتخصصة.

 

 

وأما الفوائد، فأظن إذا قارنت بين ما يحدث في واقع الحياة في البلاد التي تأبت أن تأذن بتعدد الزوجات من وجود الخدينة والعشيقة وما يترتب على ذلك من مفاسد أخلاقية، وأبناء غير شرعيين، وتدمير

للأسر تعرف الفرق بين تعدد الزوجات الذي أذن به الله الخالق، وبين الهوى والضلال الذي جرت البشرية إليه مصادمة العقول البشرية للنصوص الشرعية .

 

والله أعلم.