السؤال:

ما هو حكم الإسلام في تطعيم وتلقيح الأطفال للمناعة؟ فهناك حيث أفتى علماء ولاية (كانو) في شمال نيجيريا لأهلها المسلمين، وحرموا عليهم أن يطعموا أطفالهم باللقاح الواقي من شلل الأطفال. محتجين باحتواء هذا اللقاح على مواد كيماوية وهرمونية ذات آثار جانبية ضارة، قد تؤدي إلى إحداث العقم لدى نساء المسلمين! أو أن اللقاح يحتوي على مواد عفنة منتنة لا يجوز إدخالها إلى البدن وقد استجاب أهل الولاية لهذه الفتوى، وامتنعوا من تطعيم أطفالهم امتثالا لها، وقد نجم عن ذلك انتشار وباء شلل الأطفال، فأصاب (353) ثلاثمائة وثلاثة وخمسين طفلا بالشلل والتعويق الدائم، كما تسبب ذلك في انتشار فيروس المرض مع المسافرين إلى ثماني بلدان مجاورة جلها إسلامية. فما رأيكم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

التطعيم من الأمور الجائزة من حيث الأصل، وهو من باب دفع الضرر قبل وقوعه، والذي يجب على المسلم أن يجتهد في دفعه، سواء قبل حدوثه أو عند حدوثه؛ تطبيقا للقاعدة الفقهية: الضرر يدفع بقدر الإمكان.

والأصل في الأشياء الطهارة، والنجاسة عارضة، وكونه يسبب عقما فإننا نحتاج فيه لمراجعة الأطباء، وقد قالوا :إن هذا اللقاح لا ضرر فيه ولا نجاسة ولا خبث، ولا يحمل أي سبب للعقم، وبهذا يسقط دليل من حرَّم.

ومسئولية أولياء الأمور من حكَّام وآباء أن يعملوا على دفع الضرر بسن القوانين والاستجابة لها، ومن يفتي بحرمة تناول اللقاحات إنما يتحمل إثم من يتبع كلامه، والأحرى به أن يرجع عن فتياه إلى الحق، فالحق جدير بالاتباع.

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:

تحفَّظ بعض مشايخ المسلمين في بعض البلدان الإسلامية على استخدام لقاح شلل الأطفال، الذي يُعطى لهم عن طريق الفم، ليقيهم من هذا المرض الخطير الذي يلازمهم طوال حياتهم. وكان يمكن توقيه -حسب سنن الله- بتناول هذه الجرعة من اللقاح.

وحجة هؤلاء العلماء -كما ذكروا- احتواء هذا اللقاح على مواد كيماوية وهرمونية ذات آثار جانبية ضارة، قد تؤدي إلى إحداث العقم لدى نساء المسلمين! أو أن اللقاح يحتوي على مواد عفنة منتنة لا يجوز إدخالها إلى البدن. ظنا منهم: أن الجراثيم أو الفيروسات التي توجد في هذه اللقاحات تنطبق عليها هذه الصفة.

هذا ما أفتى به علماء ولاية (كانو) في شمال نيجيريا لأهلها المسلمين، وحرموا عليهم أن يطعموا أطفالهم باللقاح الواقي من شلل الأطفال. وقد استجاب أهل الولاية لهذه الفتوى، وامتنعوا من تطعيم أطفالهم امتثالا لها، وقد نجم عن ذلك انتشار وباء شلل الأطفال، فأصاب (353) ثلاثمائة وثلاثة وخمسين طفلا بالشلل والتعويق الدائم، كما تسبب ذلك في انتشار فيروس المرض مع المسافرين إلى ثماني بلدان مجاورة جلها إسلامية.

والحق أني وقفت موقف الدهشة والاستغراب ـ بل الاستنكار ـ لموقف إخواننا من علماء (كانو) من هذا الأمر، الذي هو في وضوح إباحته كالشمس في رابعة النهار. وإن كنت أقدر دوافعهم الطيبة التي دعتهم إلى هذه الفتوى، وأدعو الله بأن يأجرهم على حسن نيتهم، وأن يغفر لهم ما أخطئوا فيه.

والذي أؤكده ويؤكده معي عدد من العلماء الثقات المشاركين في دورة المجمع الفقهي هو ما يلي:

1ـ أن الواجب على كل مسلم أن يدفع الضرر عن نفسه بقدر ما يمكنه، ولا يلقي بيده إلى التهلكة، أو يقدم على أمر يقتل به نفسه؛ لأن نفسه وديعة عنده من الله لا يجوز أن يفرط فيها. فقد قال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [البقرة: 195]، وقال: (ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كان بكم رحيما) [النساء: 29].
وقد صلى عمرو بن العاص رضي الله عنه بأصحابه في إحدى السرايا، في ليلة باردة من ليالي الشتاء، وقد أصابته الجنابة ولم يغتسل، واكتفى بالتيمم، فشكاه أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كانت الليلة باردة، وتذكرت قول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كان بكم رحيما)
[النساء: 29]!! فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى هذا: أنه أقره على فهمه وعمله. وهذا من السنة التقريرية.

ومن هنا تقررت قاعدة من القواعد الشرعية، أو الفقهية، وهي التي تقول: الضرر يدفع بقدر الإمكان.

وأصل هذه القاعدة مستنبط من الحديث النبوي: “لا ضرر ولا ضرار” الذي رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم، وهو من أحاديث الأربعين النووية الشهيرة.

كما تقررت قاعدة أخرى تقول: دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

2ـ أن على الآباء أن يوفروا لأطفالهم وأولادهم الصغار كل أسباب الحماية والوقاية من الأضرار والآفات والأمراض التي تؤذيهم وتكدر عليهم حياتهم في حاضرهم أو في مستقبلهم، مثل المرض المزمن، بقدر ما يمكنهم ذلك. وهذا داخل في مسئوليتهم عن رعايتهم التي كلفهم الله إياها، ولا يرتاب عاقل أن مرض (شلل الأطفال) ضرر كبير، وشر مستطير، إذا أصيب به الطفل لازمه طوال حياته، وعاش عمره معوقا يحتاج إلى رعاية خاصة، وعون مستمر، غير ما يسببه له ذلك من أذى نفسي واجتماعي.

فإذا كان في الإمكان تفادي ذلك المرض إلى الأبد، بتناول جرعة من (اللقاح الواقي) فيتقى بها شر ذلك الوباء الخطير: كان على الأب أن يسعى لإعطائها لولده وفلذة كبده، ليجنبه الإصابة بهذا الداء. فإذا تقاعس عن ذلك بغير عذر قاهر: تحمل إثم إضاعة صحة ولده، ومسئولية عذابه طوال مراحل حياته كلها، لأنه راع وهو مسئول عن رعيته، وقد قال عليه الصلاة والسلام: “كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت” رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو، بإسناد حسن. وقال: “إن الله سائل كل راع عمن استرعاه: حفظ أم ضيع؟” رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس.

3ـ أن على أولي الأمر في كل بلد: أن يسنوا من القوانين، ويضعوا من الأنظمة: ما يحافظون به على صحة الناس عامة، والأطفال خاصة، لا من ناحية العلاج فقط، بل من ناحية الوقاية أيضا، فقد قيل: “درهم وقاية غير من قنطار علاج”. وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر: “كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته، ومسئول عن رعيته”.

وقد قال عمر رضي الله عنه: لو هلك جَدْي بشط الفرات لرأيتني مسئولا عنه أمام الله يوم القيامة! فكيف بهلاك أطفال المسلمين دون غيرهم من أطفال العالم جميعا؟

وطاعة ولي الأمر في هذه الحالة واجبة بنصوص القرآن والسنة، لأنها طاعة في المعروف.

4ـ أن الأصل في الأشياء التي خلقها الله للإنسان: الطهارة والحل، لقوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما الأرض جميعا) [البقرة: 29]، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) [لقمان: 20].  ولا تخرج الأشياء من أصل الطهارة إلى النجاسة إلا بيقين، كما لا تخرج من الحل إلى الحرمة إلا بيقين.

ولم يوجد يقين في اعتبار المواد التي يتكون منها (اللقاح الواقي من شلل الأطفال) نجسا أو ضارا، أو سببا للعقم، حتى يترتب عليه الحرمة.

والمرجع في إثبات الضرر أو النجاسة في ذلك هو: أهل الخبرة، الذين يرجع إليهم في كل فن. كما قال تعالى: (ولا ينبئك مثل خبير) [فاطر:14]، (فاسأل به خبيرا) [الفرقان: 59] (فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون) [النحل:7].

وأهل الخبرة في موضوعنا هم: الثقات في منظمة الصحة العالمية، ومكتبهم الإقليمي في القاهرة الذي يقوم عليه أناس مسلمون موثوق بعلمهم وخبرتهم، وبدينهم وأمانتهم. وقد قالوا: إن هذا اللقاح لا ضرر فيه ولا نجاسة ولا خبث، ولا يحمل أي سبب للعقم، بل هو طيب نافع مجرب، محمود الآثار بكل حال والحمد لله.

5ـ أن هذا اللقاح الواقي من شلل الأطفال يتناوله أطفال العالم كله في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، من كل الأجناس والألوان واللغات والأديان، ومنهم: أطفال المسلمين في أكثر من خمسين دولة تشملها منظمة (المؤتمر الإسلامي) وكان له أثره في وقايتهم من المرض المحذور. ولم يقل أحد في بلدان المسلمين في آسيا أو أفريقيا: أن في هذا اللقاح ما يخالف الإسلام في عقيدته أو شريعته، ولم يعترض عليه عالم في الأزهر، أو في القرويين أو في الحرمين الشريفين، أو في أي بلد مسلم.

فكيف خفي هذا على علماء المسلمين في أقطار الدنيا، وعرفه إخواننا الأعزاء في (كانو) وحدهم؟!! أصلحهم الله وغفر لهم.

إن هؤلاء الإخوة الأعزاء علينا، الأحباء إلينا، إذا أصروا على موقفهم يتحملون أمام الله جل جلاله، وأمام الأمة الإسلامية كلها، وأمام ضمير العالم كله: إثم تضييع أولاد المسلمين وحدهم، وتعريضهم للإصابة بالمرض بدون ذنب لهم، وتعريض جيرانهم للعدوى، وتعطيل المسيرة الطيبة المباركة التي تعتزم القضاء على هذا المرض واستئصاله نهائيا من العالم، كما قضي على مرض الجدري.

كما يتحملون بوجه خاص: الإساءة إلى سمعة الإسلام، وإظهاره بأنه دين يجافي العلم، ويقف في وجه التقدم الصحي والطبي، والله يعلم أن الإسلام بريء من هذه التهمة، فهو الدين الذي احترم الجسد، وقال: إن لبدنك عليك حقا، وشرع التداوي بكل صوره، وكان للطب في حضارته مكان أي مكان. والعلم فيه دين، كما أن الدين فيه علم.

لهذا نهيب بإخواننا من العلماء والمشايخ في ولاية (كانو) من نيجيريا ومن يقول برأيهم: أن يراجعوا فتواهم التي أصدروها أو أصدرها بعضهم دون دراسة كافية، ومشاورة مع سائر علماء المسلمين. والحق أحق أن يتبع، وليس في العلم كبير، وفوق كل ذي علم عليم. وقد قال عمر لأبي موسى: لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس أن تراجع فيه نفسك اليوم، فإن الحق قديم، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. .

 

فإن أصر هؤلاء المشايخ على رأيهم، ولم يستجيبوا لنصيحة إخوانهم من علماء الأمة الإسلامية ـ وما أظنهم يفعلون ذلك ـ فإني أدعو إخواننا المسلمين في ولاية (كانو) أن يأخذوا بفتوى جمهور علماء المسلمين في العالم الإسلامي، وهي قطعا مرجحة على فتوى عدد محدود من علماء بلدتهم. وعليهم أن يبادروا بتطعيم أطفالهم ضد الشلل، ويقوهم من هذا الوباء، ويضعوا المسئولية في عنق هؤلاء الأكثرية من علماء المسلمين.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

والله أعلم.

ملاحظة:

قد وافق فضيلة الشيخ القرضاوي على هذه الفتوى عدد من السادة العلماء الزملاء المشاركين في دورة المجمع الفقهي من الأعضاء والخبراء: الذي يعتبر كل منهم علامة في تخصصه، ومرجعا في بلده. منهم:

الشيخ محمد تقي العثماني من باكستان.
د. وهبة الزحيلي من سوريا.
د. عبد الستار أبو غدة من سوريا.
الشيخ خليل الميس من لبنان.
الشيخ محمد علي التسخيري من إيران.
د. رأفت عثمان من مصر.
د. علي القرة داغي من قطر.
الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان.
الشيخ عبد الله بن بيّه من علماء موريتانيا.
د. عجيل النشمي من الكويت.
ود. محمد عبد الرحيم سلطان العلماء من الإمارات.
ود. عبد اللطيف المحمود من البحرين. وغيرهم.

وقد نشرت هذه الفتوى بموقع “إسلام أون لاين.نت” يوم 15/3/2004.

ويمكنكم قراءة ما يلي:

 

حكم التطعيم المناعي

التطعيم ضد الأمراض وأثره على الصيام