السؤال:

ما المقصود بالسلم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ). وهل هي دعوة من القرآن للمسلمين أن يسالموا جميع الناس، ويكفوا أيديهم عنهم؟ وأين هذا من الآيات التي تأمر بالقتال؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

رجح الإمام الطبري شيخ المفسرين أن المراد بالسلم في الآية الإسلام، وعليه ففي الآية دعوة للمؤمنين أن يدخلوا في الإسلام كله، أي لا ينتقصوا منه شيئا.
وثمة رأي آخر في توجيه معنى السلم، وهو أن الله يأمر المؤمنين بأن يكونوا دعاة سلام لمن كف عن فتنة المسلمين وكف عن مساعدة من يفتن المسلمين في دينهم.

وهذا أمر زائد على مجرد قبول السلام من الكفار إذا طلبوه…. فهو ابتداء المسلمين بالسلام، وهذا الرأي رجحه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي.وإليك نص فتواه في ذلك.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:-

يقول الله تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ).وقد قرئت الآية بفتح السين، (السَّلْم) وبكسرها (السِلم) .
يقول الإمام أبو جعفر الطبري: فأما الذين فتحوا السين من (السلم) فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى : ادخلوا في الصلح والمسالمة، وترك الحرب، وإعطاء الجزية.
وأما الذين قرأوا ذلك بالكسر من (السين) فإنهم مختلفون في تأويله، فمنهم من وجهه إلى الإسلام، بمعنى: ادخلوا في الإسلام كافة، ومنهم من وجهه إلى الصلح بمعنى : ادخلوا في الصلح.
قال الطبري: وأولى التأويلات بقوله: (ادخلوا في السلم) قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة. كما رجح قراءة من قرأوا بكسر السين في (السِّلم).

وإنما رجح الإمام الطبري تفسير السلم في الآية بالإسلام؛ لأنه لا يوجد في القرآن الأمر بابتداء المصالحة والمسالمة مع أهل الكفر، وإنما فيه أمر بالإجابة إلى المسالمة والمصالحة إذا مال العدو إليها ، كما في قوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الأنفال: 61.

وليسمح لنا شيخ المفسرين أن نخالفه في ترجيحه هنا، فلم لا تكون هذه الآية تشرع هذا الحكم الجديد؟ وهي أن المسلمين أنفسهم يبتدئون طلب السلم، إذا أرادوا في ذلك الخير والصلاح، ولم يخافوا شرا أو كيدا من عدوهم، وبذلك يكون الأمر كما قال الله تعالى : (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) الأحزاب: وليس من الضروري أن تكون كل آية في القرآن قد جاءت لتؤكد أمر جاءت به آيات أخرى.

وعلى كل حال لم يرفض الطبري الرأي الآخر، ولم يقل : إنه باطل، بل رجح الرأي الآخر عليه، والرأي الآخر قد اختاره بعض المفسرين، وهو الأقرب إلى (لفظ) الآية، فإن حقيقة (السَّلم أو السِّلم) هو الإذعان والانقياد، وفي حالة المصالحة والمسالمة، يذعن كل طرف إلى الآخر، وينقاد له، ويتفاهمان على ترك الحرب والمنازعة ومعنى (ادخلوا في السلم كافة) على هذا التفسير: أدخلوا فيه جميعا، لا ينازع بعضكم بعضا فيه .

وهنا لا بد أن نذكر أن هذا الخلاف إنما هو في (جهاد الطلب) وليس في (جهاد الدفع) .
والمقصود بجهاد الدفع: جهاد المقاومة والتحرير لأرض الإسلام من المحتلين الغاصبين الذين هاجموها واحتلوا جزء منها مهما تكن مساحته، فهذا النوع من الجهاد لا خلاف في فرضيته على المسلمين، لم ينازع في ذلك عالم في القديم أو الحديث، فالأمة ـ بجميع مذاهبها ومدارسها وفرقها ـ مجمعة على وجوب الجهاد بالسلاح وبكل ما نقدر عليه، لطرد العدو المحتل، وتحرير دار الإسلام من رجسه، وهذا النوع من الجهاد والمقاومة: متفق على مشروعيته بين أمم الأرض جميعا.
أما المقصود بجهاد الطلب، فهو: الجهاد الذي يكون الكفار في أرضهم، والمسلمون هم الذين يغزوهم ويطلبونهم في عقر دارهم، توقيا لخطرهم في المستقبل، أو تأمينا للأمة من شرهم، أو لإزاحة الحواجز أمام شعوبهم، لتبلغها دعوة الإسلام، ونسمع كلمة الإسلام بصراحة، أو لمجرد إخضاعها لسلطان الدولة الإسلامية.

وبذلك تكون في القرآن مواقف ثلاثة من السلم:
1. الجنوح إلى السلم إذا جنح العدو إليه ، كما في آية (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

2- ابتداء طلب السلم إذا رأى المسلمون في ذلك الخير والصلاح، لما في هذه الآية (ادخلوا في السلم كافة) .

3- النهي عن الدعوة إلى السلم إذا كان سببها الوهن والاستجداء ،وهي التي جاء فيه قوله تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) .

والله أعلم .