السؤال:

أثير في الآونة الأخيرة خلاف على الساحات الفقهية بشأن مدى مشروعية الإجهاض إذا ثبت أن بالجنين تشوهات تعوقه عن الحياة المعتادة، ورأينا من يبارك الإجهاض رحمة بالطفل من أن يعيش مشوها حتى لو كان عمر الجنين قد تجاوز الأربعة أشهر. ورأينا من منع ذلك، فأردنا أن نقف على القول الصواب في هذه المسألة .

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:

خلاصة ما أفتى به الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أن الإجهاض حرام ولو بعد ساعة واحدة من الحمل.

ولكن إذا ثبتت بعض التشوهات اليقينية للجنين فيجوز الإجهاض قبل بلوغ الحمل مائة وعشرين يوما. وبعض الفقهاء قال: لا يجوز إلا قبل بلوغ 42 يوما فقط وما زاد على ذلك فلا يجوز ، وهذا الرأي أقوى.

أما بعد هذه المدة فلا يجوز الإجهاض مهما كانت الأسباب عند جماهير أهل العلم إلا إذا كان في وجود الجنين خطر على أمه.

أما الإجهاض في هذه الحالة من أجل تشوهات الجنين فجمهور فقهاء العصر لا يجيزه.

وذكر الشيخ القرضاوي أن بعض المعاصرين يجيز ذلك بالشروط التالية:

1- أن يثبت هذه التشوهات فريق طبي كامل على درجة عالية من الأمانة والكفاءة.
2- أن تكون هذه التشوهات غير معتادة فلا يجوز الإجهاض من أجل العمى أو الصمم أو العرج أو الشلل.

إلا أن الشيخ القرضاوي رجح أن ذلك لا يجوز، فطالما مر على الحمل مائة وعشرون يوما فلا يجوز الإجهاض من أجل التشوهات مهما عظمت.

وإليك نص فتوى الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في ذلك:

من واجب الفقيه المسلم أن يقف أمام هذه القضايا المعروضة، ليقرر عدة حقائق أهمها:
أن حياة الجنين في نظر الشريعة الإسلامية حياة محترمة، باعتباره كائناً حياً يجب المحافظة عليه، حتى إن الشريعة تجيز للحامل أن تفطر في رمضان، وقد توجب ذلك عليها، إذا خافت على حملها من الصيام..

تشديد الشرع في المساس بالجنين.
ومن هنا حرمت الشريعة الاعتداء عليه، ولو كان الاعتداء من أبويه، بل ولو جاء ذلك من أمه التي حملته وهناً على وهن.
حتى في حالة الحمل الحرام ـ ما جاء عن طريق الزنى ـ لا يجوز لها أن تسقطه، لأنه كائن إنساني حي لا ذنب له، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

وقد رأينا الشرع يوجب تأخير القصاص من المرأة الحامل المحكوم عليها بالقصاص، ومثلها المحكوم عليها بالرجم حفاظاً على جنينها، كما في قصة الغامدية المروية في الصحيح، لأن الشرع جعل لولي الأمر سبيلاً عليها ولم يجعل له سبيلاً على ما في بطنها.

العقوبة الدينية والدنيوية على من يقتل الجنين.

كما إن الشريعة توجب دية كاملة على مَن ضرب بطن امرأة حامل، فألقت جنيناً حياً، ثم مات من الضربة، نقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك.وإن نزل ميتاً ففيه غرة، وتقدر بنصف عشر الدية.

كما تفرض على الضارب مع الدية أو الغرة كفارة، وهي: تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، بل تفرضها هنا سواء كان الجنين حياً أو ميتاً.

قال ابن قدامة: هذا قول أكثر أهل العلم، ويروى ذلك عن عمر (رضي الله عنه). واستدلوا بقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

قالوا: وإذا شربت الحامل دواء، فألقت به جنيناً، فعليها غرة، لا ترث منها شيئاً، وعليها عتق رقبة. وذلك لأنها أسقطت الجنين بفعلها وجنايتها، فلزمها ضمانهُ بالغرة، ولا ترث منها شيئاً، لأن القاتل لا يرث المقتول، وتكون الغرة لسائر ورثته. وأما عتق الرقبة فهو كفارة لجنايتها.
وكذلك لو كان المسقط للجنين أباه، فعليه غرة لا يرث منها شيئاً، ويعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين توبة من الله.

أما ابن حزم يرى أن من قتل الجنين يقتص منه.

وأكثر من ذلك ما قاله ابن حزم في (المحلي) في قتل الجنين بعد نفخ الروح فيه أي بعد مائة وعشرين ليلة، كما صح بذلك الحديث، فهو يعتبره جناية قتل عمد كاملة موجبة لكل آثارها من القصاص وغيره قال:
(فإن قال قائل: فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها فقتله، فمن قولنا: أن القود ـ يعني القصاص ـ واجب في ذلك ولابد، ولا غرة في ذلك حينئذ، إلا أن يعفى عنه، فتجب الغرة فقط، لأنها دية، ولا كفارة في ذلك، لأنه عمد، وإنما وجب القود، لأنه قاتل نفس مؤمنة عمداً، فهو نفس بنفس، وأهله بين خيرتين: إما القود، وإما الدية، أو المفاداة، كما حكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيمن قتل مؤمناً وبالله تعالى التوفيق).
وابن حزم يعتبر الجنين إذا نفخت فيه الروح شخصاً من الناس، حتى إنه يوجب إخراج زكاة الفطر عنه، أما الحنابلة فيرون ذلك مستحباً لا واجباً.
ومن هنا أجمع فقهاء المسلمين على حرمة إجهاض الجنين بعد نفخ الروح فيه، فلم يخالف في ذلك أحد من السلف أو الخلف.

العدوان على الجنين قبل نفخ الروح.

أما مرحلة ما قبل نفخ الروح، فمن الفقهاء مَن أجاز الإجهاض حينئذ إذا دعت إليه حاجة، على اعتبار أن الحياة لم تدب فيه بعد، فهو في نظرهم مجرد سائل، أو علقة من دم، أو مضغة من لحم!
ويقول بعض إخواننا من علماء الطب والتشريح تعليقاً على أقوال مَن أجازوا من الفقهاء إسقاط الجنين قبل نفخ الروح: إن هذا الحكم من هؤلاء العلماء الأجلاء مبني على معارف زمنهم.
ولو عرف هؤلاء ما عرفنا من حقائق علم الأجنة اليوم عن هذا الكائن الحي المتميز، الذي يحمل خصائص أبويه وأسرته وفصيلته ونوعه، لغيروا حكمهم وفتواهم، تبعاً لتغير العلة، فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
ومن لطف الله بعباده أن علماء الأجنة والتشريح أنفسهم اختلفوا ـ كما اختلف الفقهاء ـ في تقييم حياة الجنين في مراحله الأولى: قبل الـ 42 يوماً وقبل الـ 120 يوماً. وكان اختلافهم هذا مؤيداً قوياً لاختلاف الفقهاء في جنين ما قبل الأربعين وما قبل الأربعينيات الثلاثة.
ولعل هذا من رحمة الله بالناس ليظل للأعذار والضرورات الحقيقية موضعها.

ولا بأس أن نذكر هنا بعض ما قاله الفقهاء في هذا المجال.

قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) بعد كلام طويل عن (العزل) واختلاف العلماء في جوازه ومنعه، ومال في نهايته إلى ترجيح الجواز، وعدم نهوض أدلة المانعين، قال:
(وينتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع هنا، ففي هذه أولى، ومَن قال بالجواز يمكن أن يلتحق به هذا. ويمكن أن يفرق بأنه أشد، لأن العزل لم يقع فيه تعاطي السبب، ومعالجة السقط تقع بعد تعاطي السبب).

متى تنفخ الروح في الجنين؟

ومن الفقهاء مَن فرق بين الحمل قبل الأربعين والحمل بعد الأربعين. فأجاز الإسقاط قبل الأربعين لا بعدها. ففي (نهاية المحتاج) من كتب الشافعية، ذكر اختلاف أهل العلم في النطفة قبل تمام الأربعين على قولين:
(قيل: لا يثبت لها حكم السقط والوأد.

وقيل: لها حرمة، ولا يباح إفسادها، ولا التسبب في إخراجها بعد استقرارها في الرحم).
ومنهم مَن فرق بين مرحلة تخلق الجنين ومرحلة ما قبل تخلقه، فرخص في الإجهاض قبل التخلق دون ما بعده.
وفي ((النوادر)) من كتب الحنفية: (امرأة عالجت في إسقاط ولدها، لا تأثم ما لم يستبن شيء من خلقه).
وفي كتبهم سألوا: هل يباح الإسقاط بعد الحبل؟ وأجابوا: يباح ما لم يتخلق شيء منه.
ثم في غير موضع قالوا: ولا يتخلق إلا بعد مائة وعشرين يوماً.
قال محقق الحنفية الكمال بن الهمام: (وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلا فهو غلط، لأن التخليق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة).
وكلام هذا العلامة صحيح، يقره العلم في عصرنا.
وإطلاقهم يفيد عدم توقف جواز الإسقاط على إذن الزوج، وهو ما صرح به في (الدر المختار) بقوله: ((وقالوا: يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج.
ومن الحنفية مَن رفض الإباحة المطلقة وقال: لا أقول بالحل، إذ المُحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه، لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤاخذ بالجزاء، لا أقل من أن لحقها إثم هنا إذا أسقطت بغير عذر.
ومنهم مَن قال: يكره، فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله الحياة، فيكون له حكم الحياة، كبيضة صيد الحرم.
ولذا قال أهل التحقيق منهم: (فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل).
على أن الكثيرين من العلماء خالفوا هؤلاء، ولم يجيزوا الإجهاض ولو قبل نفخ الروح.

ذلك أن هناك طائفة من العلماء تمنع العزل ـ وهو قذف السائل المنوي خارج فرج المرأة ـ وتعتبره لوناً من (الوأد الخفي) كما جاء ذلك في بعض الأحاديث، وذلك لما فيه من منع لأسباب الحياة أن تأخذ سبيلها إلى الوجود والظهور… فهؤلاء يمنعون الإجهاض ويحرمونه بطريق الأولى. فإن أسباب الحياة هنا قد انعقدت بالفعل حين التقى الحيوان المنوي الذكري بالبييضة الأنثوية، في تزاوج وتلاقح جعل منهما كائناً جديداً يحمل من الخصائص الوراثية ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
على أن هناك من العلماء مَن أجاز العزل لمسوغات وأسباب تتعلق بالأم أو بالوليد السابق، أو بقدرة الأسرة على حسن التربية، أو غير ذلك.. ولكنهم مع هذا لم يجيزوا الإجهاض ونظموه مع الوأد في سلك واحد، وإن اختلفت مرتبتا الجناية.
ومن هؤلاء الإمام الغزالي ـ فقد رأيناه ـ رغم إجازته للعزل لمسوغات معتبرة عنده ـ يفرق بوضوح بين منع الحمل بالعزل وبين إسقاطه بعد وجوده فيقول:
(وليس هذا ـ أي المنع بالعزل ـ كالإجهاض والوأد، لأن ذلك جناية على وجود حاصل، والوجود له مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة، كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشاً، ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حياً).
ونلاحظ أن الغزالي يعتبر الإجهاض جناية على وجود بشري حاصل، مع أنه يعبر عن التقاء نطفة الرجل بماء المرأة بأنه (استعداد لقبول الحياة).
فكيف لو عرف ما عرفناه اليوم بأن الحياة قد وجدت بالفعل منذ تم هذا اللقاء؟.

استخلاص الحكم الشرعي بعد هذا التطواف.

ولهذا نقول: إن الأصل في الإجهاض هو الحرمة. وإن كانت الحرمة تكبر وتعظم كلما استقرت حياة الجنين.
فهو في الأربعين الأولى أخف حرمة، فقد يجوز لبعض الأعذار المعتبرة، وبعد الأربعين تكون الحرمة أقوى، فلا يجوز إلا لأعذار أقوى يقدرها أهل الفقه، وتتأكد الحرمة وتتضاعف بعد مائة وعشرين يوماً، حيث يدخل في المرحلة التي سماها الحديث ((النفخ في الروح)).
وفي هذه الحالة لا يجوز الإجهاض إلا في حالة الضرورة القصوى، بشرط أن تثبت الضرورة لا أن تتوهم، وإذا ثبتت فما أبيح للضرورة يقدر بقدرها.

ورأيي أن الضرورة هنا تتجلى في صورة واحدة، وهي: ما إذا كان في بقاء الجنين خطر على حياة الأم، لأن الأم هي الأصل في حياة الجنين، والجنين فرع، فلا يضحى بالأصل من أجل الفرع، وهذا منطق يوافق عليه ـ مع الشرع ـ الخلق والطب والقانون.

على أن من الفقهاء مَن رفض ذلك، ولم يقبل الجناية على الحي بحال. ففي كتب الحنفية:

(امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن ((إخراجه)) إلا بقطعه أرباعاً. ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت.. قالوا: إن كان الولد ميتاً فلا بأس به، وإن كان حياً لا يجوز، لأن إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع).
ولكن الشرع ورد بارتكاب أخف الضررين، وأهون المفسدتين..
وأضاف بعض المعاصرين إلى الصورة المذكورة، صورة أخرى، وهي:

أن يثبت بطريقة علمية مؤكدة أن الجنين ـ وفقاً لسنن الله تعالى ـ سيتعرض لتشوهات خطيرة تجعل حياته عذاباً عليه وعلى أهله، وفقاً لقاعدة: ((الضرر يدفع بقدر الإمكان))وينبغي أن يقرر ذلك فريق طبي لا طبيب واحد.

والراجح أن الجنين بعد استكمال أربعة أشهر إنسان حي كامل. فالجناية عليه كالجناية على طفل مولود.
ومن لطف الله أن الجنين المصاب بتشوهات خطيرة لا يعيش بعد الولادة، في العادة، كما هو مشاهد، وكما قرر أهل الاختصاص أنفسهم. على أن الأطباء كثيراً ما يخطئون التشخيص.

بيد أن تشوهات الجنين ينبغي أن تعتبر ـ إذا ثبتت بالفعل ـ قبل الأشهر الأربعة، ومرحلة نفخ الروح.
على أنه ليس من التشويه المعتبر أن يصاب الجنين بعد ولادته بمثل العمى أو الصمم أو البكم، فهذه عاهات عرفها الناس طوال حياة البشرية وعاشوا بها، ولم تمنعهم من المشاركة في تحمل أعبائها، وعرف الناس عباقرة من ذوي العاهات لا زالت أسماؤهم حاضرة في ذاكرة التاريخ.

ولا يجوز لنا أن نعتقد أن العلم سيغير بإمكاناته ووسائله من طبيعة الحياة البشرية التي أقامها الله على الابتلاء (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ).

ولقد ساهم العلم وساهمت التكنولوجيا في عصرنا بتعليم المعوقين تعليماً بلغ حداً كبيراً من النجاح، كما ساهما في تيسير الحياة لهم، واستطاع كثير منهم أن يشاركوا في أعباء الحياة كغيرهم من الأسوياء، وخاصة أن الله تعالى قد اقتضت سنته أن يعوضهم بمواهب وقدرات أخرى غير عادية.

والله أعلم .