السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم ، اشتدت في هذه الأيام نار معركة الحجاب في فرنسا، وهل هو رمز ديني أم لا ؟ ونريد من سيادتكم إفادتنا بهذا الشأن وشكرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
دعوى أن الحجاب رمز ديني دعوى مرفوضة، فالحجاب ذو وظيفة وهي الستر والحشمة، ولا يخطر ببال من تلبسه من المسلمات أنها تعلن عن نفسها وعن دينها ولكنها تطيع أمر ربها.
ودعوى الحفاظ على علمانية المجتمع لا تقوم على أساس منطقي سليم؛ لأن العلمانية في المجتمع الليبرالي معناها أن تقف الدولة موقف الحياد من الدين، فلا تقبله ولا ترفضه، ولا تؤيده ولا تعاديه وتدع حرية التدين أو عدمها للأفراد .
يقول الأستاذ الدكتور علي جمعة ـ مفتي مصر :
إن حجاب المرأة المسلمة فرض على كل من بلغت سن التكليف وهي السن التي ترى فيه الأنثى الحيض، وهذا الحكم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فرضية الحجاب أجمع عليها المسلمون سلفا وخلفا، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، وأنه لا يعد من قبيل العلامات التي تميز المسلمين عن غيرهم فحسب بل هو من قبيل الفرض اللازم الذي هو جزء من الدين، يقول تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” (الأحزاب: 59)، وقوله تعالى أيضا: “وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ” (النور:31)، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا”، وأشار إلى وجهه وكفيه.

ويقول السيد محمد حسين فضل الله المرجع اللبناني الشيعي:
الحجاب في الإسلام التزام ديني كما هي الفريضة الدينية وعدم الالتزام به يمثل خطيئة ككل الخطايا، هل بلغت العلمانية مستوى من الضعف ليخاف القائمون عليها قطعة قماش أو قلنسوة توضع على الرأس، أو صليباً يعلق على الصدر؟

ويقول فضيلة الشيخ القرضاوي:
هذا التوجه الفرنسي لمنع الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس، هو ما أستغربه كل الاستغراب، وأنكره غاية الإنكار، فهو يجبر المسلمة أن تخالف دينها، وتعصي أمر ربها الذي قال في كتابه: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، ويقول أيضا :(يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين من جلابيبهن…)، ووجوب الحجاب على المرأة المسلمة أمر أجمعت عليه كل المذاهب والمدارس الإسلامية سنية وشيعية وزيدية وإباضية .
وقد ساءنا وآلمنا أن يصدر هذا التوجه –الذي لا نملك أن نصفه إلا بالتعصب ضد التعاليم الإسلامية، والقيم الإسلامية– من فرنسا خاصة، بلد الحرية والانفتاح، وأم الثورة التي نادت بالحرية والمساواة والإخاء، والتي فيها أكبر مجموعة إسلامية في أوربا .
فهذا التوجه ينافي حريتين أساسيتين من الحريات التي هي من حقوق الإنسان، الحرية الشخصية، والحرية الدينية. وقد أكدتهما كل الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان .
ودعوى الحفاظ على علمانية المجتمع لا تقوم على أساس منطقي سليم؛ لأن العلمانية في المجتمع الليبرالي معناها أن تقف الدولة موقف الحياد من الدين، فلا تقبله ولا ترفضه، ولا تؤيده ولا تعاديه. وتدع حرية التدين أو عدمها للأفراد، بخلاف العلمانية الماركسية، فهي التي تعادي التدين، وتعتبر الدين -كل الدين – أفيون الشعوب، وهي تنفي الإله عن الكون، والروح عن الإنسان .
ودعوى أن الحجاب رمز ديني دعوى مرفوضة؛ فالحجاب ليس رمزا بحال. لأن الرمز ما ليس له وظيفة إلا التعبير عن الانتماء الديني لصاحبه، مثل الصليب على صدر المسيحي أو المسيحية، والقلنسوة الصغيرة على رأس اليهودي؛ فلا وظيفة لهما إلا الإعلان عن الهوية .
وهذا بخلاف الحجاب فإن له وظيفة معروفة، هي الستر والحشمة، ولا يخطر ببال من تلبسه من المسلمات أنها تعلن عن نفسها وعن دينها ولكنها تطيع أمر ربها .
ومنع المسلمات من الحجاب يعارض مبدأ الحرية كما يعارض أيضا مبدأ المساواة الذي نادت به الثورة الفرنسية، وأقرته الشرائع السماوية والمواثيق الدولية، وحقوق الإنسان؛ لأن معنى هذا القرار اضطهاد المتدينة والتضييق عليها، وحرمانها من حقوقها من التعلم أو التوظف، والتوسعة على غير المسلمة، وغير المتدينة من المسلمات .
والحضارة الحقة هي التي تتسم بالتسامح، ويتسع صدرها للتنوع الديني والثقافي، وتسمح بالتعددية العرقية والدينية والفكرية. ولا تحاول أن تجعل كل الناس نسخا مكررة .
ينبغي أن نربي الناس على أن يسع بعضهم بعضا، ويقبل بعضهم بعضا، وإن تخالفوا دينيا كما علمنا القرآن حين قال: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) .
وقد ساءنا كثيرا اعتبار الحجاب عدوانية ضد الآخرين. فأي عدوانية من فتاة تلتزم بتعاليم دينها في زيها؟ إن العدوان لا يخشى من إنسان يعرف الله ويتقيه، رجلا كان أم امرأة .
إن من حق الأغلبية في المجتمع الديمقراطي أن تسن ما تراه من القوانين، ولكن الديمقراطية العادلة هي التي ترعى حقوق الأقليات دينية أو عرقية، ولا تجور عليها، وإلا حكمنا على الأقليات بالفناء باسم الديمقراطية وحكم الأغلبية.
والله أعلم.
فتاوى ذات صلة :
هل يجوز للمرأة خلع الحجاب في فرنسا .
الحجاب بين فقه العفة وفقه المراحيض .
خلع الحجاب خوفا من أذناب العلمانية .