السؤال:

أنا أعمل في مجال في فن الجرافيك وأحيانا يطلب مني أن أرسم صورة تخدم موضوعا يتحدث عن الجنة أو النار فأرسم صور أشجار وفاكهة وأنهار، أو أرسم صورة لشخص ملقى في النار وهو يستغيث بحيث تترك ظلالا معينا في نفس القارئ أو المشاهد فهل ما أفعله حلال أم حرام؟؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

الأفضل الابتعاد عن ذلك؛ لأن الإنسان مهما أعمل عقله لتجسيد صور النعيم والعذاب على أرض الواقع من خلال الصور المعبرة فإنه من الصعب أن يصل إلى حقيقة النعيم أو العذاب.

وهذا فضلا عن أن هذا المجال ربما يفتح فتنا كثيرة ، من مثل محاولات رسوم وصور للتعبير عن المعاني القرآنية.

لكن هذه الأفضلية لا تنفي جواز ذلك في الصور الواضحة الصريحة التي يمكن تخيلها، وأما ما عداها فلا.

يقول الشيخ محمد خلف – من علماء مصر:-

فلقد حدثنا القرآن الكريم عن الجنة ونعيمها ، كما حدثنا عن النار وعذابها ، وشقوة أهلها أيضا حديثا مستفيضا ، ومن ذلك مثلا قوله تعالى عن أهل النار: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) [ هود 1.6 ] ، وقال : (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) [ الحج 19 ] ، وقال : (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ {55} جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ {56} هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ {57}..) [ ص55 : 57 ] وقال (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ {65} فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) [ الصافات].

وقال (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ {43} طَعَامُ الْأَثِيمِ {44} كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ {45} كَغَلْيِ الْحَمِيمِ {46} خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ {47} ثُمَّ
صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ {48} ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ {49}…) [ الدخان] .

وقال (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ {30} ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ {31} ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ) [ الحاقة] إلى غير ذلك من الآيات الكريمة .

وبينت السنة في هذين المجالين ـ الجنة والنار ـ ما تكاثرت به النصوص ، والذي ينظر في هذه النصوص من حيث إدراكها يجدها تنقسم قسمين :

الأول: قسم يستطيع الإنسان تخيله بعقله ، ورسم صورة عقلية له مثل : ( ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) [ الحاقة 33 ].

الثاني: لا يستطيع رسم صورة عقلية له حتى وإن فهم المراد منه ويكون ذلك أكثر في وصف الجنة ونعيمها ونعيم أهلها كما جاء في الحديث القدسى : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ “فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ” رواه البخارى في بدء الخلق ومسلم في صفة الجنة والترمذي في التفسير وابن ماجة في الزهد والدارمي في الرقاق وأحمد وغيرهم .وإذا كان الشيء لم يخطر على قلب البشر فلا يمكن أن يتخيله بعقله ولا يمكن أن يرسم له صورة عقلية .

ومن خلال ما تقدم : يمكن أن يقال : ما أمكن أن يتخيله الإنسان ، ويرسم له صورة عقلية بحسب ما جاء في صريح القرآن وصحيح السنة فلا بأس من رسمه على أرض الواقع بقصد التقريب لا على الحقيقة ، ويفضل أن يشار إلى ذلك في مقدمة الكتاب أو المجلة .
أما مالا يمكن للإنسان أن يتخيله بعقله من خلال النصوص ولم يتمكن أن يرسم له صورة عقلية فيستحيل أن يرسم له صورة على أرض الواقع .
والأفضل التورع عن ذلك لسببين :

الأول: أن الراسم ربما لا يستطيع تخيل الشيء كما جاء في النصوص القرآنية والنبوية الصحيحة .
الثاني: لأن ذلك يفتح أبواب الفتنة عند كثيرين .

والله أعلم .