السؤال:

هل يجوز التيمم على بلاط السيراميك الأملس الذي لا تعلوه شائبة من تراب، فأحيانا يرقد المريض بالمستشفى أو ببيته فيبحث عن تراب متجمع ليتيمم به فلا يجد غير البلاط الأملس في الأرض، والدهان الأملس بالحائط. فهل يجزئ التيمم بمثل هذا.

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

اختلف العلماء فيما يتيمم به، فمنهم من وسع فيه، ومنهم من قصره على التراب وما يشبهه، ومنهم من توسع فيه حتى أجازه بالمعادن، ورجح هذا الرأي الأخير فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي نظريا وعمليا، وعليه فلا حرج في التيمم بالسيراميك الأملس،أو الدهان الناصع.

وإليك نص فتوى فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في هذا: –

التيمم يكون بالصعيد الطيب كما نص القرآن بقوله: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) المائدة: 6.
وهنا اختلفوا في تحديد مفهوم (الصعيد) ما هو؟
فمن الفقهاء من قالوا: الصعيد هو التراب، ولا يجوز إلا به، كما هو رأي الشافعي وأحمد وداود، وهذا قاله بعض اللغويين، وأكدوه بما جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة: “وجعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها طهورا”.

وقال أبو حنيفة ومالك وأصحابهما وعطاء والأوزاعي والثوري: الصعيد كل ما كان من جنس الأرض من تراب أو رمل أو حجر أو جص أو نورة – والنورة حجر الكلس ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره وتستعمل لإزالة الشعر- أو رخام، حتى قال مالك: أو ثلج.

ويفسر الحنفية (جنس الأرض): بأنه كل ما لا يلبن ولا ينطبع بالنار.

أما ما يلبن وينطبع بالنار، أو يحترق فيصير رمادا، فليس من جنس الأرض.

وأجاز المالكية التيمم بالمعادن عدا النقد كالذهب والفضة والجوهر كالياقوت والزبرجد، لكن بالحديد والرصاص والقصدير والكحل والملح ونحوها إذا كانت في مواضعها من الأرض، ولم تنقل حتى تصير أموالا في أيدي الناس.

واستدلوا بما قاله بعض اللغويين أيضا: الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره. ولعل استعمال القرآن لكلمة الصعيد يدل لهذا، مثل (صعيدا زلقا) الكهف: 40 و(صعيدا جرزا) الكهف: 8.

ويؤيد هذا المذهب تيممه صلى الله عليه وسلم من الجدار أو الحائط، وهو حديث متفق على صحته. والظاهر أن لا يكون عليه غبار، ولو كان من اللبن، كما هو المعهود.وقد ورد حديث خصائصه صلى الله عليه وسلم في معظم رواياته بلفظ: “وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”.

واستدل للشافعي وأحمد بقوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيدكم منه) المائدة: 6، وكلمة (منه) تدل على التبعيض، ولا يتيسر المسح ببعض الحجر أو بعض الشجر، فتعين أن يكون الممسوح به ترابا أو ما يشبه التراب من الرمل ونحوه.

وللمخالفين أن يقولوا: قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه): محمول على أنه بني على الغالب في التيمم: أن يكون بالتراب أو الرمل ونحوهما مما يعلق باليد.
ومن نظر إلى الواقع وحاجاته، تبين له أن التراب ـ وحتى الرمل ـ لا يتيسر وجوده في كثير من الأحيان، بل يتعسر أو يتعذر، إنما الذي يتيسر كثيرا هو ما كان من جنس الأرض من الأسمنت والرخام والبلاط والسيراميك ونحوها، وهذا ما جربته في مواضع شتى.

فعندما كنا في السجن الحربي، ولم يكن يتيسر لنا الماء للوضوء في النهار معظم الأيام، كنا نضطر إلى التيمم، ولم نكن نجد التراب ولا الرمل، إنما نجد الأرض المبلطة بالأسمنت فنتيمم بها.

وكذلك عندما كنت في المستشفي في ألمانيا، وحتى في الدوحة: لم أكن أجد إلا (سيراميك) الحمام أتيمم به. وتسويغ هذا يتفق مع التيسير الذي أمرنا به، ومع قوله صلى الله عليه وسلم: “وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل” فإنما يتحقق هذا إذا فسرنا الصعيد بكل ما كان من جنس الأرض، ووسعنا مفهومه بما وسع به أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما.

والله أعلم .