السؤال:

الحديث الشهير الذي أوله: صنفان من أهل النار لم أرهما، هل وردت في آخره عبارة "العنوهن فإنهن ملعونات" ؟ وما المقصود بها؟ ولماذا لم يأمرنا النبي – صلى الله عليه وسلم- بالدعاء لهم بالرحمة والهداية؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

يقول الدكتور محمد بن تركي التركي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود:-
الحديث المشهور: “صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا”.
..” حديث صحيح أخرجه مسلم وابن حبان وغيرهما من رواية أبي هريرة – رضي الله عنه-. ولكن لم يرد فيه لفظ “العنوهن” الحديث.
وهذه اللفظة وردت في حديث آخر عند أحمد (2/223) وابن حبان برقم (5703)، والحاكم (4/436)، والطبراني في الصغير (1125)، من رواية عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما-.
ولكن في إسنادهم جميعاً عبد الله بن عباس القتيباني وهو ضعيف، وعليه فلا تثبت هذه اللفظة، إضافة إلى معارضتها للأحاديث الكثيرة التي نهت عن لعن المسلم.انتهى.

ليس دور المسلم هو لعن أصحاب المعاصي وتقبيحهم، ولكن المسلم إذا وجد صاحب معصية صغرت أم عظمت وضع أمام عينيه قوله صلى الله عليه وسلم : (فوالله لأن يهدي الله رجلا بك، خير لك من أن يكون لك حمر النعم ) رواه البخاري. فيهب نشطا لأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، ويتفنن في الأخذ بناصيته إلى طريق الرشاد حتى يثقل به ميزانه يوم القيامة، ولم يأمرنا الشرع بلعن أصحاب المعاصي، بل غاية ما جاء فيهم هو هجرهم إذا يئسنا من هدايتهم، وإذا أصبح الهجر الطريق الوحيد لمنعهم عما هم عليه، وفي الحديث (من قال هلك الناس فهو أهلكهم) رواه مسلم وغير.
فلا يستطيع أحد أن يزعم بأن فلانا سدت عليه طريق التوبة، أو أوصدت دونه أبواب الرحمة.

وليحذر المسلم من أن يتألى على الله، فيزعم أن فلانا في النار، أو أن فلانا في الجنة مهما بلغت معصية هذا، أو طاعة ذاك؛ فقد روى أبو داود بسند صححه الشيخ الألباني أنه كان رجلان في بني إسرائيل متآخيين فكان أحدهما يذنب ، والآخر مجتهد في العبادة . فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول : أقصر ، فوجده يوماً على ذنب فقال له : أقصر ، فقال : خلني وربي أبعثت علي رقيباً ؟ قال : والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة ، فقبضت أرواحهما ، فاجتمعا عند رب العالمين ، فقال لهذا المجتهد : أكنت بي عالماً ، أو كنت على ما في يدي قادراً ؟ فقال للمذنب : اذهب فادخل الجنة وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار .(فكيف يجرؤ مسلم بعد هذا أن يزعم أن فلانا ملعون، أو أن رحمة الله حجبت عن فلان. وفي الحديث الذي رواه مسلم ( لعن المسلم كقتله) ذلك أن اللعنة معناها الطرد من رحمة الله تعالى.

وقد قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على حديث أنس الذي رواه البخاري أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين ) َفيه جواز لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي ذرأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ).

وفي صحيح سنن أبي داود من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها )

وليس معنى هذا أننا نرى أن المتبرجة كالمحجبة سواء، بل إن الذي نعتقده، وندين الله به أن التبرج معصية من كبائر الذنوب، وأن التبرج ليس كغيره من المعاصي المستترة؛إذ إن التبرج فضلا عن أنه كبيرة في ذاته إلا أن فيه فتنة المسلمين فيضاف هذا الذنب إلى ذاك، ولكن الذي يملك حسابها هو الله تعالى، أما نحن فواجبنا دعوتها إلى الله تعالى.

وقال الإمام شمس الدين الذهبي في كتاب الكبائر:-
اعلم أن لعنة المسلم المصون حرام بإجماع المسلمين ، و يجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة كقولك : لعن الله الظالمين ، لعن الله الكافرين ، لعن الله اليهود و النصارى ، لعن الله الفاسقين ، لعن الله المصورين . و نحو ذلك كما تقدم ، و أما لعن إنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي كيهودي أو نصراني أو ظالم أو زان أو سارق أو آكل ربا فظواهر الأحاديث إنه ليس بحرام . و أشار الغزالي رحمه الله إلى تحريمه إلا في حق من علمنا أنه مات على الكفر ، كأبي لهب و أبي جهل و فرعون و هامان و أشباههم ، قال : لأن اللعن هو الإبعاد عن رحمة الله و ما ندري ما يختم به لهذا الفاسق و الكافر . قال : و أما الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بأعيانهم كما قال : اللهم العن رعلا و ذكوان و عصية عصوا الله و رسوله و هذه ثلاث قبائل من العرب فيجوز أنه صلى الله عليه و سلم علم موتهم على الكفر ، قال ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم كقول الإنسان لا أصح الله جسمه و لا سلمه الله و ما جرى مجراه و كل ذلك مذموم ، و كذلك لعن جميع الحيوانات والجمادات فهذا كله مذموم ، قال بعض العلماء : من لعن من لا يستحق اللعن فليبادر بقوله إلا أن يكون لا يستحق ..انتهى.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي مبينا منهج التعامل مع المتبرجات:-
إن فقه الموازنات يوجب علينا أن نتدرج في معالجة هذا الأمر،وقد يحتم علينا هذا التدرج أن نرضى بهذا المنكر مخافة وقوع منكر أكبر منه،وهذا مبدأ معروف ومقرر شرعا.
ومع سكوتنا على هذا المنكر لا نيأس من عودة هذه المسلمة إلى الطريق المستقيم،سائلين الله لها الهداية والتوبة،معاملين لها بالحسنى.

فيجب علينا أن نقنع المسلمة بأن تغطية رأسها فريضة دينية، أمر بها الله تعالى ورسوله، وأجمعت عليها الأمة،قال الله تعالى:{وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها،وليضربن بخمورهن على جيوبهن..}النور:31،وقال سبحانه:{يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}الأحزاب:59،فقد أوجب الله هذا الاحتشام والتستر على المسلمة حتى تتميز عن غير المسلمة،وعن غير الملتـزمة،فمجرد زيها يعطي انطباعا أنها امرأة جادة،ليست لعوبا ولا عابثة،فلا تؤذى بلسان ولا بحركة ولا يطمع فيها الذي في قلبه مرض.

ويجب علينا أن نحوطها بالملتـزمات من أخواتها المسلمات الصالحات،حتى تتخذ منهن أسوه،كما يجب علينا أن نأخذها بالرفق لا بالعنف،فإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.

ومع أن لبس الخمار أو غطاء الرأس أو الحجاب ـ كما يسمى اليوم ـ فريضة على المسلمة ولكنه يظل فرعا من فروع الدين،فإذا كان التشدد في شأنه، والتغليظ على المرأة من أجله سينفرها من الدين بالكلية،ويجعلها تهجر الدين أساسا، فليس من الشرع أن نضيع أصلا بسبب فرع، فكيف بأصل الأصول كلها،وهو الإسلام ذاته؟؟؟

والله أعلم .