السؤال:

ما تفسير الآية : ( ولقد همّت بهه وهمّ بها ) في سورة يوسف ، مع أن يوسف عليه السلام " عفيف " وقد رفض الانصياع لنزوة امرأة العزيز ، فكيف يهمّ بها ؟.

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

لقد استعصم سيدنا يوسف بربه في ابتلائه فعصمه وثبته، أما الهم الذي تحدثت عنه الآية فالمقصود به أحد معنيين:-
المعنى الأول: أن في الآية تقديما وتأخيرا، والمعنى أنه لم يهم لأنه رأى برهان ربه، وأنه لو لم ير برهان ربه لوقع في الهم، فعلى هذا لم يقع منه الهم.
المعنى الثاني: أن المقصود بالهم مجرد الخاطر القلبي الذي لا يتعلق به تكليف وقد صرفه الله عنه لتقواه وصلاحه، وذلك مثل ميل الصائم للطعام والشراب إلا أنه يمتنع عنه إيثارا لما عند الله تعالى، والمعنى الأول أجود من ناحية اللغة.

يقول الشيخ محمد صالح المنجد – من علماء المملكة العربية السعودية-:-

قال تعالى : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ ربه) يوسف/24
كان همها للمعصية ، أما يوسف عليه السلام فإنه لو لم ير برهان ربه لَهَمَّ بها – لطبع البشر – ولكنه لم يهم ؛ لوجود البرهان .

إذًا في الكلام تقديم وتأخير ، أي : لولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها .

قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة ، فلما أتيت على قوله : ( ولقد همت به وهم بها ) قال أبو عبيد : هذا على التقديم والتأخير ؛ كأنه أراد : ولقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 9/165 .

وقال الشنقيطي في أضواءالبيان ) 3/58 )
” الجواب عنه من وجهين :
الأول :

أن المراد بِهَمِّ يوسف خاطر قلبي صرفه عنه وازع التقوى ، وقال بعضهم : هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة- أي المحكومة- بالتقوى ، وهذا لا معصية فيه ؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف ، كما في الحديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل ، ثم يقول : ( اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما لا أملك ) يعني ميل القلب . أبو داود ، السنن ، رقم الحديث 2134 .
ومثل هذا ميل الصائم إلى الماء البارد والطعام مع أن تقواه تمنعه من الشرب والأكل وهو صائم .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( من هم بسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة كاملة ( أخرجه البخاري في صحيحه برقم 6491 ، ومسلم برقم 207 .

الجواب الثاني :
أن يوسف عليه السلام لم يقع منه الهم أصلاً ، بل هو منفي عنه لوجود البرهان .
إلى أن قال : هذا الوجه الذي اختاره أبو حسان وغيره هو أجرى على قواعد اللغة العربية ” اهـ .
ثم بدأ يستطرد الأدلة على ما رجحه ، وبناء على ما تقدم فإن معنى الآية والله أعلم أن يوسف عليه السلام لولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، ولكنه لما رأى برهان ربه لم يهم بها ، ولم يحصل منه أصلاً .
وكذلك فإن مجرد الهم بالشيء دون فعله لا يعد خطيئة .

والله أعلم .