السؤال:

يقوم بعض المزارعين باستخدام هرمونات معينة لزيادة الإنتاج وتحسين النوعية وزيادة حجم الثمرة ، واستخدام هذه الهرمونات فيه ضرر على الإنسان وغير مصرح به رسميا من قبل وزارة الزراعة ، فما حكم ذلك ؟.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

شاع في هذه الأيام معالجة الثمار والزروع بأنواع من الهرمونات لتعجيل نضجها قبل الأوان ولتضخيمها وتحسينها فتظهر وكأنها ناضجة إلا أنها ليست بقيمة الأشياء الناضجة، وهذا نوع من الغش والتدليس يحرمه الإسلام، وتأباه الشريعة، ويحق لمن اشترى شيئا فوجده كذلك أن يرده إلى البائع ويسترد مادفعه طالما أنه البائع قد دلس عليه. وإليك طائفة من فتاوى العلماء بهذا الصدد:-

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية:-
 هذا عمل محرم ؛ لأنه غش للمسلمين، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) . وهذا العمل فيه مضارة للمسلمين، ومن ضار مسلما ضار الله به ، وفاعله آثم ، وكسبه حرام ، وحري أن يعاقب فاعله لما عمله من الغش والإثم ، ولا يجوز لمن علم هذه الحال في هذه الأنواع من المنتجات أن يسوقها ويروجها ويبيعها، لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ، والله تعالى يقول: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). فعلى المزارعين وغيرهم من المسلمين أن يتقوا الله، وأن يكونوا متعاونين على البر والتقوى مبتعدين عن أسباب الإثم والعدوان ، متطلبين الكسب الحلال والرزق المستطاب ، مجتنبين الكسب الحرام وألا يغتروا بزهرة الحياة الدنيا وجمع المال من أي طريق حلال أو حرام ، فحلالٌ قليلٌ خيرٌ من حرام كثير ، وعلى المسلمين تبليغ المسئولين عمن يفعل ذلك للأخذ على يده ؛ لأن هذا من المنكر الذي يجب إنكاره ، وعلى المسلمين التواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة لإخوانهم” انتهى من فتاوى اللجنة الدائمة.

ويقول الدكتور عبد الفتاح إدريس الأستاذ بجامعة الأزهر:-
بسبب سيطرة المادة على حياة الناس، والرغبة في الثراء السريع، وضعف الوازع الدينيّ أو انعدامه في نفوس الكثيرين ـ يَعمِد البعض إلى التأثير في الأطعمة التي تفتقر إلى وقتٍ تَنضَج فيه قد يمتد إلى بضعة أشهر، بما يسارع في نضجها أو إظهارها بمظهر الناضج؛ كوضع المواد الكيميائية على الشجر المثمر ليظهر ثمره وقد اكتسى بلون الثمار الناضجة، قبل أن يصل إلى أوان نضجه. أو وضع الهرمونات على ثمار الأشجار ليزداد حجمها. أو إضافة بعض المواد الكيميائية إلى عليقة الحيوانات والطيور لتسرع في نموها وتزيد من حجمها وإنتاجها.

وكل هذا يُعَدّ غشًّا في المبيع من هذه الأشياء، وذلك لاختلاف مذاق هذه الثمار والزروع والحيوانات والطيور عن مثيلتها التي لم تُعالَج بهذه المواد الكيميائية، واختلاف قيمتها الغذائية كذلك عنها. والغش محرم كما أن هذا يُعَدّ عيبًا في المَبِيع تُرَدّ به السلعة إلى صاحبها، إن لم يكن المشتري عالمًا وقت البيع بحقيقة المَبِيع وكيفية نمائه ونضجه، لأن رضاه في هذه الحالة شابَهَ عيبٌ من عيوب الإرادة، فيثبت له خيار الرد بالعيب فيه، كما جاز له ذلك في الدابة المُصَرّاة “التي أوهم البائعُ المشتريَ أنها كثيرة اللبن؛ بحبس اللبن في ضَرعها عدة أيام لتبدوَ للناظر أنها كثيرة اللبن، وليست كذلك في الواقع” حيث أثبت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمشتريها الخيارَ بين ردِّها أو إمساكِها بعد احتلاب لبنها، باعتبار التَّصْرِيَةَ تدليسًا وغشًّا أوقعه البائع بالمشتري.

ومشتري الثمار والزروع والحيوانات والطيور، التي تم التأثير عليها لتَنضَج أو تظهر بمظهر الناضج منه، قد وقع في مثل هذا الغش والتدليس؛ لأنه لو علم قبل الشراء أن زيادة حجم المَبِيع أو تلوُّنه بلون الناضج من الثمار ليس طبيعيًّا، وإنما بتأثير مواد كيميائية، ما أقدم على شرائه، ومن ثَمَّ فإن له الخيارَ بين ردِّ هذه السلعة إن سَخِطَها بعد أن يُثبِت له عيبَها، وبين إمساكها إن رَضيَ بها وبها هذا العيبُ.

يضاف إلى هذا أن هذه المواد الكيميائية المضافة إلى الثمار أو الزروع أو طعام الحيوانات والطيور لا يقتصر أثرها على زيادة أحجام هذه الأشياء أو إضفاء اللون، وإنما لها تأثير ضارّ بصحة من يتناولونها، وقد نهى الشارع عن الأضرار بالمسلم، فرُوي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام “.

وإذا كان قِوام الدين الإسلاميّ هو النصيحة فإن من باع سلعة وبها عيب من العيوب السابقة هو يعلم حقيقتها، دون أن يبين لمبتاعها هذه الحقيقة، فإنه يُعَدّ مقترفًا أمرًا حرمه الله سبحانه، وهو كتمان العيب عن المشتري، فقد رُوي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا يَحِلُّ لأحد يبيع شيئًا إلا بيَّن ما فيه، ولا يَحِلُّ لمن علم ذلك إلا بيَّنه”. ورُوي عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “من باع عيبًا لم يبيِّنه لم يَزَل في مَقْت الله، ولم تَزَل الملائكة تلعنه”. كما أن هذا البائع لم يقم بما أوجبه الشارع عليه حيال المشتري وهو النصح له، فقد رُوي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: “إن الدين النصيحة”. ورُوي عن جرير قال: بايعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. ومن ثَمّ فإن من يؤثِّر في هذه السلع غاشٌّ مدلِّس، ومن يبيعها دون أن يبين للناس حقيقة ما فيها هو كذلك، فضلاً عن عدم تخلقهما بأخلاق الإسلام.

والله أعلم .