السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم نعلم أن السحر يصيب ضعاف الإيمان ، فما تفسير إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر ، وماحقيقة هذا الأمر؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فسحر النبي صلى الله عليه وسلم الجمهور على أنه واقع ، والحديث فيه صحيح ،وقد أنكر ذلك جماعة من العلماء قديما وحديثا ، وممن أنكره حديثا الشيخ محمد عبده ، والشيخ الغزالي وغيرهما رحمهما الله ، و يريان أن هذا الحديث يخل من مقام النبوة، ويرى الجمهور أن السحر لم يكن له تأثير على الرسالة،لأن الله تعالى حفظ الوحي ، ولم يكن السحر إلا تخييلا .
وليس كل من يصاب بالسحر ضعيف الإيمان .
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله :

وهناك قضايا لا يجوز فيها التساهل لخـطورتها، وقد شعرت بالغيظ والحرج وأنا أقرأ أن يهوديا وغدا سحر النبي عليه الصلاة والسلام وأعجزه عن مباشرة نسائه مدة قدرها ابن حجر بستة شهور! أكذلك تنال القمم؟.
قالوا: كما يستطيع سفيه أن يقذفه بحجر أو كما يستطيع مجرم أن يصيبه بجرح! وهذا اعتذار مرفوض، فإن السحر تسلط على الإرادة والفكر وهذا مستحيل، لاسيما والوسيلة تسلط أرواح شريرة، أو بعض الجن.. على الجهاز العصبي للإنسان، فيوقعه في اضطراب وحيرة…
وقد سرني أن الشيخ محمد عبده رفض هذا الحديث، وساءني أن الرجل الضخم اتهم في دينه لهذا الموقف المعظم لقدر الرسول!!.
وسمعت أحد العلماء يقول: إن في سند حديث السحر مقالا. وأنا لست من علماء هذا الفن! وكل ما لاحظت على السند أنه يجعل نزول المعوذتين في المدينة، وهما في «علوم القرآن» وعند كتاب المصاحف نزلتا بمكة…انتهى
ويعلل الشيخ الغزالي رفضه لهذا الحديث لما يلي :

1- أن الحديث بروايته فيه غضاضة غير لائقة بمنزلة النبوة.
2- لو ساغ أن التخييل يؤثر في النفوس الضعيفة ، فكيف يقوي يهودي على التأثير في أقوى نفس بشرية ،وهي نفس الرسول صلى الله عليه وسلم.
3- وكيف يقال :إن التأثير في أعضائه لا في روحه ، والسحر يعتمد على قوى خفية في زعم مثبته لا على وسائل مادية؟
أن القول بسحر الرسول يزكي شبهة المشركين التي حكاها القرآن حين قال :” إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً . انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً “(الفرقان :8-9). انتهى

حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم قد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، وروايته :

عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏قالت ‏:
‏سحر رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏رجل من ‏ ‏بني زريق ‏ ‏يقال له ‏ ‏لبيد بن الأعصم ‏، ‏حتى كان رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله ، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال يا ‏ ‏عائشة !‏ ‏أشعرت ‏ ‏أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني ‏ ‏رجلان ‏ ‏فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ، فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ فقال ‏: ‏مطبوب. ‏ ‏قال : من طبه ؟ قال : ‏ ‏لبيد بن الأعصم ‏. ‏قال : في أي شيء ؟ قال : في مشط ‏ ‏ومشاطة ‏ ‏وجف ‏ ‏طلع نخلة ذكر. قال : وأين هو ؟ قال : في ‏ ‏بئر ذروان .‏ ‏فأتاها رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في ‏ ‏ناس من أصحابه ، ‏ ‏فجاء فقال : يا ‏ ‏عائشة ‏ ! ‏كأن ماءها نقاعة الحناء ، أو كأن رءوس نخلها رءوس الشياطين . قلت : يا رسول الله أفلا استخرجته ؟ قال : قد عافاني الله ، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرا فأمر بها فدفنت “.
وقد ذكر الإمام ابن حجر نقلا عن المازري أن المبتدعة أنكروا هذا الحديث ، بزعم أنه يحط من مقام النبوة، وأن هذا طعن في الرسالة وتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأورد الرد على ذلك فيما يلي :
1- الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ , والمعجزات شاهدات بتصديقه , فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.
2- ما يتعلق ببعض الأمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض , فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين.
3- وقد حمل البعض التخييل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن ، سواء أكان ذلك التخييل بالظن في إتيان الفعل وعدم إتيانه ، أو باسترخاء شهوته بعد حاجته كالمعقود.
4- أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده، ولذا أخبرت أخت لبيد أنه إن كان نبيا فسيخبر .
5- أنه لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك . وإنما يكون من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت.
6- قول المهلب : صون النبي صلى الله عليه وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده , فقد مضى في الصحيح أن شيطانا أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه , فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ , بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام , أو عجز عن بعض الفعل , أو حدوث تخيل لا يستمر , بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين.
7- أن الله تعالى ابتلى رسوله بالسحر ، ليعلم أنه يجوز أن يقع السحر على بعض الصالحين، مع حفاظهم على الأوراد والأذكار ، لأنه من باب الابتلاء.( فتح الباري – كتاب الطب- باب هل يستخرج السحر ج / ص ). انتهى كلام ابن حجر

وحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم مما لا ينبني عليه عمل، ولا يدخل في باب الأحكام من الحلال ولا الحرام ،ولا هو مما تعبدنا الله تعالى به ، فكان من الأولى ترك الحديث عنه، وما دام الحديث قد ورد صحيحا ، فنعتقد صحته ، ونحمله على الوجه الذي يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فهو صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يبلغ عن ربه سبحانه وتعالى ، لقوله سبحانه :” وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ” ( النجم : 3-4 ).
ولقوله تعالى :” وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ.” ( الحاقة : 45-48)
ولقوله تعالى :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ” ( النساء: 59 ). وقوله سبحانه :” يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ “( المائدة : 67 ) ، والعصمة هنا فيما يبلغ عن ربه سبحانه وتعالى ، وقوله سبحانه :” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ” (المائدة : 3 ) ، وهذا يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ عن ربه بالصدق الذي لا شك فيه ، وغير ذلك من الآيات التي تدل على تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة ربه.
ولم يذكر أحد أن الله تعالى عصم نبيه صلى الله عليه وسلم من شرور الناس ، فقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين واليهود وغيرهم ، وهو كبشر يتعرض للإيذاء من الآخرين .
ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلا للإنس والجن ، فقد أوذي من كلا الفريقين ، وإن كان السحرة والجن يتعاونون في إيذاء الناس ، فليس هناك مايمنع من التعاون في إيذاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
كما أن القرآن الكريم حين تحدث عن السحر جعله نوعا من التخييل:” يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى” ( طه :66 ) وهذا هو المنقول عن سحر النبي صلى الله عليه وسلم أنه نوع من التخييل .
وإذا استصحبنا كون السحر حقيقة ذكرها القرآن الكريم وأقرها ، فإن من نتيجة ذلك قبول سحر النبي صلى الله عليه وسلم كنوع من إيذاء البشر ، لأن أكثر الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ، وأما مقام النبوة فمحفوظ.
وعلى كل ، فالحديث لا يترتب عليه عمل ، فيحكم بصحته ، ويمكن إغلاق الحديث عنه ، إلا إذا كان المقصود أخذ العبرة والعظة منه.
والله أعلم