السؤال:

نعاني من قصر الوقت في هذه الأيام وعدم قضاء المصالح وأن اليوم لا يكفي ، فهل من علامات الساعة أن الأيام ستمر بسرعة وتكون قصيرة ؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
أشار النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة أن من علامات الساعة تقارب الأزمنة، وقد بوَّب الترمذي في سننه بابا بعنوان بَابُ مَا جَاءَ في تقارُبِ الزَّمنِ وقصرِ الأملِ.
روى فيه حديث أنسِ بنِ مالكٍ الذي قال فيه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلِيهِ وسَلَّم: (لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يتقارَبَ الزَّمانُ وتكونَ السَّنةُ كالشهرِ والشَّهرِ كالجمُعةِ وتكونَ الجُمعةُ كاليومِ ويكونَ اليومُ كالسَّاعةِ وتكونَ السَّاعةُ كالضَّرمةِ بالنَّارِ)
وقد اختلف العلماء في معنى تقارب الزمان فمنهم من ذهب إلى أن التقارب حسي ومنهم من قال إن التقارب معنوي .

ويفصل الشيخ محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربية السعودية اختلافات العلماء بقوله:
روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ ، وحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ ) .
وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ ) والسعفة هي الْخُوصَةُ .
قال ابن كثير : إسناده على شرط مسلم أهـ . وصححه الألباني في صحيح الجامع
فهذان الحديثان يدلان على أن من علامات الساعة تقارب الزمان .
وقد اختلف العلماء في معنى تقارب الزمان على أقوال كثيرة ، وأقوى هذه الأقوال:
أن تقارب الزمان يحتمل أن يكون المراد به التقارب الحسي أو التقارب المعنوي .
أما التقارب المعنوي ؛ فمعناه ذهاب البركة من الوقت ، وهذا قد وقع منذ عصر بعيد .
وهذا القول قد اختاره القاضي عياض والنووي والحافظ ابن حجر رحمهم الله .
قال النووي : المراد بقصره عدم البركة فيه وأن اليوم مثلا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة . أهـ .
وقال الحافظ : والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان، وذلك من علامات قرب الساعة.. أهـ .
ومن التقارب المعنوي أيضاً : سهولة الاتصال بين الأماكن البعيدة وسرعته مما يعتبر قد قارب الزمان ، فالمسافات التي كانت تقطع قديماً في عدة شهور صارت لا تستغرق الآن أكثر من عدة ساعات .

وقال الشيخ ابن باز : في تعليقه على فتح الباري :
التقارب المذكور في الحديث يُفسّر بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم وقِصر المسافة بينها بسبب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك ، أهـ .
وأما التقارب الحسي ؛ فمعناه : أن يقصر اليوم قصراً حسياً ، فتمر ساعات الليل والنهار مروراً سريعاً ، وهذا لم يقع بعد ، ووقوعُهُ ليس بالأمر المستحيل ، ويؤيده أن أيام الدجال ستطول حتى يكون اليوم كالسنة وكالشهر وكالجمعة في الطول ، فكما أن الأيام تطول فكذلك تقصر . وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا .

ونقل الحافظ في “الفتح” عن اِبْنِ أَبِي جَمْرَة أنه قال :
يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان قصره على ما وقع في حديث: ” لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر ” وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيا ويحتمل أن يكون معنويا.
أما الحسي فلم يظهر بعد ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنوي فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى حتى إن كثيرا من الناس لا يتوقف في شيء ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي، والواقع أن البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت إنما يكون من طريق قوة الإيمان واتباع الأمر واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) اِنْتَهَى مُلَخَّصًا.

ونحوه قاله السيوطي في “‏الحاوي للفتاوي” ، فإنه قال في معنى الحديث :
“قيل: هو على حقيقته نقص حسي ، وأن ساعات النهار والليل تنقص قرب قيام الساعة . وقيل : هو معنوي وأن المراد سرعة مر الأيام ونزع البركة من كل شيء حتى من الزمان . . . وفيه أقوال غير ذلك . أهـ .

وهذه الأقوال الثلاثة : “نزع البركة” و “سهولة الاتصال” و “التقارب الحسي” لا تعارض بينها ، ولا مانع من حمل الحديث عليها جميعها .

وقد قيلت أقوال أخرى في معنى “تقارب الزمان” غير أنها لم تبلغ من القوة درجة الأقوال السابقة .
منها : ما قَالَه الْخَطَّابِيُّ : من استلذاذ العيش قال الحافظ : يُرِيد -وَاَللَّه أَعْلَم- أنه يقع عند خروج المهدي ووقوع الأمنة في الأرض وغلبة العدل فيها فيستلذ العيش عند ذلك وتستقصر مدته، وما زال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت ويستطيلون مدة المكروه وإن قصرت، ثم قال الحافظ :
وَأَقُول : إنما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر لأنه لم يقع النقص في زمانه، وإلا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا وإن لم يكن هناك عيش مستلذ، والحق أن المراد نزع البركة . . . أهـ .

ومنها : ما قَالَه اِبْن بَطَّال أن المراد ” تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر؛ لغلبة الفسق وظهور أهله.أهـ .

وهذا التأويل خلاف ظاهر الحديث ، ويرده قوله صلي الله عليه وسلم في الحديث الآخر : ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ . . . الحديث) . فإنه ظاهر أن المراد تقارب الزمان نفسه ، لا تقارب أحوال أهله .

والله أعلم.