السؤال:

ما حكم الشرع في التداوي للعلاج من الأمراض السرطانية بدم حيوان صحراوي اسمه في بلادنا الضب، وهو نوع من الزواحف، حيث يتم ذبحه وأخذ دمه وخلطه بالعصير وشربه؟

الجواب:

الدم المسفوح حرام شربه بإجماع أهل العلم دون خلاف بينهم، حتى لو كان الدم مأخوذا من حيوان حلال الأكل، والمقصود بالدم المسفوح هو الذي انفصل عن العروق.
وقد اختلف العلماء في حكم التداوي بالمحرم والنجس، فذهب بعض العلماء إلى تحريم التداوي بهما في حالة الضرورة والسعة جميعا.
وذهب بعضهم إلى جواز التداوي بهما بشرطين هما:-
1- أن يتعين هذا الدواء المأخوذ منهما للشفاء، بمعنى أن لا يوجد دواء غيره يقوم مقامه.
2- أن يقرر هذا الأطباء الثقات العدول بأبحاث لا تقبل الجدل ولا الخلاف، بل تصل إلى مرحلة اليقين.
وإلى أن يقرر الأطباء ذلك يبقى الاستشفاء بدم الضب محرما.

يقول الدكتور سليمان بن فهد العيسى:- أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية-
إنني لا أرى جواز التداوي بالدم المسفوح بشربه أو أكله، ذلك أن دم الحيوان نجس يحرم أكله حتى وإن كان متحصلاً من حيوان مذكى يحل أكله، لقوله تعالى: “قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” [الأنعام:145]، والحكمة من تحريم أكل الدم المسفوح والله أعلم أنه يحمل الفضلات وعوامل خطيرة ومواد أخرى قد تسبب للإنسان ضرراً بالغاً، هذا وقد روى مسلم (1984)، وغيره عن وائل الحضرمي أن طارق بن سويد – رضي الله عنه – سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: “إنه ليس بدواء، ولكنه داء “، وعن أم سلمة – رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم” أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/5) وابن حبان في صحيحه (1391)، هذا وليعلم أن شرب الدم المسفوح يختلف حكمه عن نقل الدم.

ويقول الشيخ عطية صقر من كبار علماء الأزهر:-
روى البخاري ومسلم أن ناسًا من قبيلة عُكْل أو عُرَيْنة قدموا المدينة فمَرِضوا لعدم ملاءمة جَوِّها لهم، فوَصَف لهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “أن يَخرجوا منها إلى المَراعي وأن يَشرَبوا من أبوال الإبل وألبانها، ففعلوا فصحَّتْ أجسادهم”.
وروى مسلم عن طارق بن سويد الحضرمي أنه قال للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ “إن بأرضنا أعنابًا نَعتَصِرُها فنَشرَب منها فقال “لا” فراجعه وقال: إنا نَسْتَشْفِي للمريض، فقال “إن ذلك ليس بِشِفاء ولكنَّه داء”.
وروى البخاري أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “إن الله لم يَجعَل شفاء أمتي فيما حَرَّم عليها” وروى ابن ماجه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى أم سلمة تَغلِي نَبِيذًا لتُداوِيَ به ابنتها فقال: “إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حَرَّم عليها”.
وروى الترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “يا عباد الله تَداوُوا ، فإن الله لم يَضَعْ داء إلا وَضَع له دواء” وفي رواية لأبي داود “فَتَداوُوا ولا تَتَداوَوا بالمحرَّم”.
وروى أيضًا النهي عن الدواء الخبيث، والخمر أم الخبائث.
إزاء هذه النصوص تحدث العلماء عن التداوي بالمحرَّم، وبخصوص الخمر اتفق العلماء على أنه لا يجوز شربها إلا للضرورة القصوى كإنقاذ حياته من الموت لشدة العطش، أو من لقمة غُصَّ بها في حَلْقه، ولا يجد شيئًا حلالاً أو أخفَّ حرمة يرويه أو يمنع الغُصَّة.
أما التداوي بالنجس غير الخمر، وتناول النجس حرام، فقد قال العلماء: إنه لا يجوز إلا عند الضرورة، أما عند الاختيار وتوافر الدواء الحلال فلا يجوز ، والحديث الذي ذكر أن الخمر ليست دواء ولكنها داء، وأن الله لم يجعل شفاء أمتي ما حرم عليها هو خاص بالخمر، أما المحرمات الأخرى فيجوز أن يكون فيها الشفاء ويمكن التداوي بها عند الضرورة، فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعًا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “إن في أبوال الإبل شفاء للذَّرِبَة بطونُهم” أي الفاسدة معدتهم، ولعل ذلك لما ترعاه من الشيح والقيصوم ونباتات البادية التي تُعالَج بها بعض الأمراض، ومع ذلك لا يُعالَج بها إلا عند الضرورة، كما رخَّص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للزبير بن العوام بلبس الحرير لوجود حَكَّة في جسده.
وكل هذا الخلاف في التداوي بالبول بِناءً على القول بنجاسته، وهو ما ذهب إليه الشافعي وغيره من القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها، سواء أكانت من مأكول اللحم أم من غيره، محتجِّين بعموم الحديث الصحيح الذي أخبر عن عذاب الميت لأنه كان لا يَستبرئ من بوله، ووضع الرسول على قبره جريدة لعلَ الله يُخفِّف بها من عذابه.
لكن ذهب فريق من العلماء إلى أن أبوال الإبل وغيرها من مأكول اللحم طاهرة، وهو قول مالك وأحمد وطائفة من السلف، محتجين بهذا الحديث، وهو عام ليس خاصًّا بالقوم الذين مرضوا في المدينة، لعدم الدليل على الخصوصية.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي مبينا حكم التداوي بالنجس والحرام:-
وأما ضرورة الدواء -بأن يتوقف برؤه على تناول شيء من هذه المحرمات- فقد اختلف في اعتبارها الفقهاء.. فمنهم من لم يعتبر التداوي ضرورة قاهرة كالغذاء، واستند كذلك إلى حديث “إن الله لم يجعل شفائكم فيما حرم عليكم”.
ومنهم من اعتبر هذه الضرورة وجعل الدواء كالغذاء، فكلاهما لازم للحياة في أصلها أو دوامها، وقد استدل هذا الفريق -على إباحة هذه المحرمات للتداوي- بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما لحكة -جرب- كانت بهما. مع نهيه عن لبس الحرير، ووعيده عليه.
وربما كان هذا القول أقرب إلى روح الإسلام الذي يحافظ على الحياة الإنسانية في كل تشريعاته ووصاياه.
ولكن الرخصة في تناول الدواء المشتمل على محرم مشروطة بشروط:
أن يكون هناك خطر حقيقي على صحة الإنسان إذا لم يتناول هذا الدواء.
ألا يوجد دواء غيره من الحلال يقوم مقامه أو يغني عنه.
أن يصف ذلك طبيب مسلم ثقة في خبرته وفي دينه معا.
على أنا نقول مما نعرفه من الواقع التطبيقي، ومن تقرير ثقات الأطباء: أن لا ضرورة طبية تحتم تناول شيء من هذه المحرمات -كدواء- ولكننا نقرر المبدأ احتياطا لمسلم قد يكون في مكان لا يوجد فيه إلا هذه المحرمات.