السؤال:

أما بعد.. فقد وهبني الله بفضله قدرا عاليا من الذكاء وأنا أدرس في أحد الفروع العلمية التي أرجومن الله أن أنفع أمة الإسلام بدراستها-وذلك لقلة المتخصصين ذوي الكفاءة في ذلك الفرع- ولكن في بعض الأحيان وفي ظل ما يحدث من قبض للعلماء-عليهم رحمة الله أجمعين-وعدم إقبال المتفوقين من أبناء الأمة على التخصص في الدراسات الشرعية أفكر في التحويل إلى القسم الشرعي علما بأنني والحمد لله أهوى اللغة العربية والقراءات الفكرية والشرعية المتنوعة أفيدوني أفادكم الله وجزاكم عن المسلمين كل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد، للعلم في الإسلام مكانة لا تضاهيها مكانة، فهو دليل الإيمان، وهو مفتاح العبادة ومصباح طريق المسلم، وهو إمام والعمل تابعه، ويكفي أن أول آيات نزلت من الوحي الإلهي على الرسول صلى الله عليه وسلم تأمر بالقراءة (اقرأ باسم ربك الذي خلق) .

والقرآن اهتم بالعلم في آيات كثيرة، يكفي أن نذكر منها، قال تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (يرفع الله الذي آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات). (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط)، والآيات التي تحدثت عن العلم والفكر والتدبر والنظر والحجج والبرهان كثيرة ، كلها تصب في التنويه بالعلم وأدوات العلم ومجالات العلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) (العلماء ورثة الأنبياء) إلى آخر الأحاديث الكثيرة التي نوهت بشأن العلم وبشأن العلماء، ومن هنا قام العلم في الإسلام واتسعت جنباته ونواحيه، سواء كان العلم الدين، أو العلم الدنيا، علماؤنا قالوا أن كل علم تحتاج إليه الأمة في دينها أو دنياها، فإن التبحر فيه والتفوق فيه، فرض كفاية للأمة. وليس من الضروري أن يتبوأ علماء الدين وعلماء الدنيا نفس المكانة، فهناك ما يسميه ابن عبد البر العلم الأعلى، علم النبوة والهداية الربانية، الذي يحفظ للأمة هويتها وعقائدها وصلتها بالله والسماء ويؤدبها بأدب القرآن، ويخلقها بأخلاق النبوة، هذا علم له شأنه.

نحن لم يكن بيننا صراع، بين العلم والدين ولا بين علوم الدين وعلوم الدنيا، فالعلم عندنا دين، والدين عندنا علم، وكثير من علماء الدنيا (الطب، الفلك، الطبيعة..) كانوا علماء دين، حينما تنظر مثلاً للإمام ابن رشد، فله كتاب في الفقه من أعظم ما كتب في الفقه المقارن اسمه “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” وله في الفلسفة شرح أرسطو، فهو أعظم من شرح أرسطو وله كتبه ورسائله الفلسفية المعروفة، وله في الطب كتاب الكليات الذي ترجم للاتينية وظل مرجعاً للطب في أوروبا عدة قرون، الإمام الفخر الرازي هو صاحب التفسير المشهور “المحصول في علم الأصول” و”المحصل في أفكار المتقدمين والمتأخرين” إلى آخره، وكانوا يقولون عنه أن شهرته في الطب لا تقل عن شهرته في العلوم، ابن النفيس، مكتشف الدورة الدموية الصغرى، ترجم له الإمام تاج الدين السبكي، في كتابه طبقات الشافعية، باعتباره أحد فقهاء الشافعية. لم يكن عندنا هذا الصراع الذي حدث بين العلم والدين في أوروبا، فنشأ العلم في حضانة الدين، ونشأ الدين مشجعاً على العلم، وظهر علم الدين بثقافاته الواسعة، فعلم الدين عندنا، ليس علماً واحداً في الحقيقة، ففيه علوم القرآن وعلوم السنة، وعلوم السنة فاقت العشرين علماً، فمثلاً علم الحديث فيه علم غريب الحديث، علم فقه الحديث، علم الناسخ والمنسوخ في الحديث، علم رجال الحديث، وعلم رجال الحديث ضخم جداً، فنجد منه علم الصحابة، وعلم التابعين، علم الطبقات، علم الثقات، علم المجروحين (كل هؤلاء من رجال الحديث) علوم الفقه وأصول الفقه والتصوف، وعلم الكلام وغير ذلك.
فإن كانت دراستك كما قلت دقيقة وستنفع بها المسلمين، وليس عند المسلمين علماء كثر فى هذا المجال فالأولى أن تبقى فى دراستك وتتفوق فيها، فهذا من أجل الخدمات التى تقدمها للإسلام والمسلمين وخاصة فى مثل هذا العصر، ونفع الله بك.ـ