السؤال:

سافرنا إلى أحد الأماكن للتنزه، وكان مكان المنتزه بعيدا بحيث يأخذ حكم السفر، وقضينا يوما كاملا هناك، وحينما رفع نداء الظهر صلينا الظهر والعصر قصرا وجمعا، ثم قضينا وقتنا، وحينما رفع نداء المغرب ظننا أننا سنصلي المغرب والعشاء جمعا كما فعلنا في الظهر والعصر إلا أنه تهامس بعضنا أن جمع المغرب مع العشاء لا يجوز طالما أنه يغلب على ظننا أننا سنصل إلى رحالنا قيل أذان العشاء، وتهامس البعض الآخر بأن الجمع لا يجوز طالما أننا سنصل إلى رحالنا قبل منتصف الليل، وقام البعض الآخر فصلى المغرب والعشاء جمع تقديم معتمدا على أنه ما يزال في السفر، فأينا كان على صواب؟ وهل يشترط مسافة معينة لجواز الجمع والقصر؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:

 

الصحيح أنه لا يشترط مسافة معينة للسفر حتى يتمكن المسافر بالقصر والجمع ، فكل ما أسماه الناس سفرا جاز فيه القصر والجمع ، والقصر في السفر سنة أفضل من الإتمام ، أما الجمع فهو رخصة، وصلاة كل فريضة في وقتها دون جمع أولى للخروج من خلاف من منع الجمع في السفر كالأحناف ولو كان طويلا.
أما جمهور الفقهاء فإنهم يرون جواز الجمع في السفر على اختلاف بينهم في المسافة التي تبيح ذلك.

لكنهم على الرغم من هذا فهم متفقون على أن للمسافر أن يجمع تقديما وتأخير طالما أنه ما يزال في السفر، ولم يشترط أحد من جمهور الفقهاء لجواز الجمع أن يغلب على ظن الناس الوصول إلى رحالهم بعد وقت الصلاة الثانية.

 

ولكنهم يشترطون أن يكون الجمع في حالة السفر فقط، وعليه فمن صلى منكم المغرب والعشاء جمع تقديم فقد وافق قول جمهور الفقهاء طالما أن الجمع كان أثناء السفر، ومن وصل إلى رحاله قبل أذان العشاء فلا عشاء عليه كمثل من وصل بعد الأذان، ولم نعلم أحدا من الفقهاء اشترط الوصول بعد خروج الوقت لجواز الجمع.

 

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في الجزء الخامس عشر ص 287:
ذهب جمهور الفقهاء القائلين بجواز الجمع إلى أنه يشترط لجمع التقديم أربعة شروط :
أولها : البداءة بالأولى من الصلاتين كالظهر والمغرب لأن الوقت لها والثانية تبع لها والتابع لا يتقدم على متبوعه , فلو صلى العصر قبل الظهر أو العشاء قبل المغرب لم يصح الظهر في الصورة الأولى , ولا العشاء في الثانية , وعليه أن يعيدها بعد الأولى إذا أراد الجمع .

 

ثانيها : نية الجمع ومحلها الفاضل أول الصلاة الأولى ويجوز في أثنائها إلى سلامها .

 

ثالثها: الموالاة بين الصلاتين وهي أن لا يفصل بينهما زمن طويل , أما الفصل اليسير فلا يضر ; لأن من العسير التحرز منه . فإن أطال الفصل بينهما بطل الجمع سواء أفرق بينهما لنوم , أم سهو , أم شغل , أم غير ذلك . والمرجع في الفصل اليسير والطويل العرف كما هو الشأن في الأمور التي لا ضابط لها في الشرع أو في اللغة كالحرز والقبض وغيرهما . وقدر بعض الحنابلة والشافعية الفصل اليسير بقدر الإقامة , وزاد الحنابلة وقدر الوضوء .

 

رابعها : دوام سفره حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية , فإذا نوى الإقامة أثناء الصلاة الأولى , أو وصل إلى بلده وهو في الأولى , أو صار مقيما بين الصلاتين انقطع الجمع لزوال سببه , ولزمه تأخير الثانية إلى وقتها .. انتهى.

 

وجاء لابن قدامة الحنبلي في كتابه المغني الجزء الثاني ص62:
وإن أتم الصلاتين في وقت الأولى , ثم زال العذر بعد فراغه منهما قبل دخول وقت الثانية , أجزأته , ولم تلزمه الثانية في وقتها ; لأن الصلاة وقعت صحيحة مجزية عن ما في ذمته , وبرئت ذمته منها , فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك , ولأنه أدى فرضه حال العذر , فلم يبطل بزواله بعد ذلك , كالمتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة . انتهى.

 

وجاء في مغني المحتاج من كتب الشافعية في الجزء الأول ص533:
الشرط الرابع من شروط جمع التقديم دوام سفره إلى عقد الثانية .انتهى.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تحديد مسافة السفر :
علق الله ورسوله القصر والفطر بمسمى السفر ولم يحد  بمسافة ، ولا فرق بين طويل وقصير ، ولو كان للسفر مسافة محدودة لبينه الله ورسوله ، ولا له في اللغة مسافة محدودة ، فكل ما يسميه أهل اللغة سفرا فإنه يجوز فيه القصر والفطر كما دل عليه الكتاب والسنة.
وقد قصر أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفات وهي من مكة بريد فعلم أن التحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة ليس حدا شرعيا عاما .انتهى.

 

ويقول فضيلة الشيخ سيد سابق –رحمه الله- في كتابه فقه السنة:
المسافر يقصر الصلاة مادام مسافراً، فإن أقام لحاجة ينتظر قضاءها قصر الصلاة كذلك لأنه يعتبر مسافراً وإن أقام سنين؛ فإن نوى الإقامة مدة معينة فالذي اختاره ابن القيم أن الإقامة لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت ما لم يستوطن المكان الذي أقام فيه .

 

والله أعلم .


الوسوم: , , , ,