السؤال:

اللقاح المستعمل في تطعيم الأطفال ضد شلل الأطفال يُستحضر بفيروس المسبب له على مزرعة نسيجية أي مؤلفة من خلايا متكاثرة بحيث تشكل نسيجاً خلويا تكون فيه الخلايا متلاصقة. وحتى ينجح الزرع، لا بد من فكّ هذه الخلايا بعضها على بعض. ويتم هذا التفكيك باستعمال خميرة (أنزيم) تدعى (التريبسين) تؤخذ من الخنـزير. يضاف التريبسين بكميات زهيدة جداً لا تكاد تذكر، لأن الإنزيمات تفعل فعلها بتركيزات بالغة الضآلة، يضاف هذا التريبسين إلى الخلايا المتلاصقة في نسيج، فيفكك بعضها عن بعض في برهة وجيزة، ثم تغسل الخلايا التي تفاصلت غسلاً جيداً بحيث لا يبقى أي تأثير للتريبسين، ثم تزرع عليها فيروسات شلل الأطفال لتتكاثر، ثم تحصد هذه الفيروسات التي تكاثرت ويضاف إليها محلول مناسب لا شبهة فيه، ثم تصبح جاهزة لتحضير اللقاح الذي تعطى منه قطرتان أو ثلاث لكل طفل بالفم. بعض المسلمين في عدد من أنحاء العالم، ولا سيما في شرقي آسيا، أفتَوْا - من باب الورع - بعدم جواز إعطاء هذا اللقاح لأطفال المسلمين؛ بالنظر إلى استعمال التريبسين الخنـزيري المنشأ في استحضاره. نرجو التفضل ببيان الحكم الشرعي في ضوء المعطيات الآنفة الذكر، علما بأن إحجام بعض المسلمين عن تطعيم أطفالهم بهذا اللقاح يعرّض أطفال المسلمين وحدهم للخطر، ويعطي صورة سيئة عن تعطيل المسلمين لعملية تتغيّا استئصال المرض من على ظهر البسيطة إلى الأبد بإذن الله؛ لأن هذا الاستئصال لن يكتمل ما بقي على وجه الأرض طفل واحد يحمل فيروس المرض.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

نظر المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء في الموضوع أعلاه، وبعد التدقيق في مقاصد الشريعة ، ومآلاتها والقواعد الفقهية وأقوال الفقهاء فيما عُفي عنه قرر ما يلي:

أولاً: إن استعمال هذا الدواء السائل قد ثبتت فائدته طبياً وأنه يؤدي إلى تحصين الأطفال ووقايتهم من الشلل بإذن الله تعالى، كما أنه لا يوجد له بديل آخر إلى الآن، وبناء على ذلك فاستعماله في المداواة والوقاية جائز لما يترتب على منع استعماله من أضرار كبيرة، فأبواب الفقه واسعة في العفو عن النجاسات – على القول بنجاسة هذا السائل – وخاصة أن هذه النجاسة مستهلكة في المكاثرة والغسل، كما أن هذه الحالة تدخل في باب الضرورات أو الحاجيات التي تنـزل منـزلة الضرورة، وأن من المعلوم أن من أهم مقاصد الشريعة هو تحقيق المصالح والمنافع ودرء المفاسد والمضار.

ثانياً: يوصي المجلس أئمة المسلمين ومسؤولي مراكزهم أن لا يتشددوا في مثل هذه الأمور الاجتهادية التي تحقق مصالح معتبرة لأبناء المسلمين ما دامت لا تتعارض مع النصوص القطعية.
والله أعلم