السؤال:

أثارت دعوة الشيخ عبدالمجيد الزنداني إلى زواج الأصدقاء، أو زواج فريند جدلا كبيرا بين العلماء بين محرم ومبيح ، وأصبحنا في حيرة ، فما الحكم القاطع في المسألة؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
للحكم على زواج الأصدقاء، أو ما أطلق عليه الشيخ الزنداني “زواج فريند” يجب أن ينظر إلى ما يلي:
– 1  مقصد هذه الصورة من صور الزواج.
2-  ومطابقتها لأركان الزواج الشرعي في الإسلام، وهل الحكم على الشيء يرجع إلى المقصد منه، وتحقيق حِكَمه، أم أنه ينظر إليه من حيث استيفائه لأركان الزواج وشروطه؟
3-  ومدى جواز تقييد المباح في مثل هذه الحالة؟
4-  وما الفرق بين إطلاق الدعوة إلى هذا الزواج بشكل فردي، وبين إطلاقها بشكل جماعي؟
ويمكن تفصيل الموضوع على النحو التالي:
المقصد من زواج الأصدقاء:
الفكرة في نشأتها تنبني على تحويل العلاقات الاجتماعية بين الجنسين من علاقات محرمة شرعا، إلى شكل مشروع، وهو الزواج، فتحول الصداقة المجردة إلى زواج مشروع مستوفي الأركان.
وهذا يعني أن الفكرة مشروعة من حيث القصد، وإن لم تأخذ الشكل الكلي لنظام الأسرة في الإسلام.
والزواج يُعرف بأنه عقد بين الزوجين يحل به الوطء، ويطلق على العقد والجماع كما رجحه كثير من الفقهاء، لقوله تعالى: “فانكحوهن بإذن أهلهن”، وبالتالي فما دام العقد صحيحا، حل الجماع.

استيفاء صورة الزواج للأركان:
أما من حيث استيفاء صورة الزواج للأركان والشروط، ففي هذا الزواج يتوافر جميع الأركان التي وضعها الفقهاء للحكم على صحة الزواج، وهي: العاقدان، والإيجاب والقبول، وموافقة الولي، والمهر، والإشهاد، فإن توافرت هذه الشروط في عقد الزواج، حُكم عليه بالصحة، وعلى هذا، فزواج الأصدقاء من حيث استيفاء الأركان صحيح شرعا.
والحكم على الشيء لا يرتبط بالحكمة منه، ولكن باستيفاء أركانه.
وما يقال من فساد هذا الشكل من الزواج استنادا لقوله تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (الروم: 21)، فإن الرحمة والمودة من مقتضيات الزواج، فالزواج يحصل به هذه المودة والرحمة، وكون الزوج لا يَقَرُّ في بيت، لا ينفي وجود هذه العاطفة القلبية.
يقول الإمام ابن كثير:
ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة، ورحمة وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك. انتهى
وقد فسر ابن عباس ومجاهد: المودة بأنها الجماع، والرحمة بأنها الولد.
وقال ابن عباس أيضا: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء.
والسكن حق للمرأة، وللمرأة أن تتنازل عن حق من حقوقها، وقد أباح الشرع تنازل المرأة عن المهر، وهو حق لها، مع كونه ركنا من أركان النكاح، قال تعالى: “وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا “.
غير أنه من المشقة على النفس أن تظل المرأة بلا سكن طوال عمرها، قد يكون هذا في فترة من الفترات حتى تتحسن الظروف، ثم يشتري الزوج سكنا لزوجته، أو يؤجر سكنا، حتى تكون الأسرة أكثر استقرارا.

تقييد المباح:
أما تقييد المباح، فهو باب من أبواب الاجتهاد، لا تصلح له فتوى فردية، بل لا بد فيه من فتوى جماعية، إن لم تصل إلى حد الاتفاق أو الإجماع.
ولا بد للنظر في هذا الشأن مما قد ينجم عن هذا الزواج -المباح شرعا من حيث الأركان والشروط- من آثار اجتماعية قد تضر بنظام الأسرة في الإسلام، وهل يؤدي هذا الزواج إلى انفراط العقد الأسري، وهل سيؤدي إلى تسرع الشباب إلى الزواج في فترة الدراسة، وقد يهربون من المسئولية الاجتماعية بعد الانتهاء من فترة الدراسة؛ وهو ما قد يؤدي إلى كثرة الطلاق، وإن كان يمكن اشتراط بعض الشروط التي قد تجعل الزوج لا يمكن له الإسراع في الطلاق، من كتابة مؤخر صداق كبير أو ما شابه هذا.

مناقشة الدعوة بين الفردية والجماعية:
ولو أن المسألة نوقشت بشكل فردي، من كون شاب يحب فتاة، ووافق والدها على الزواج مع توافر جميع الشروط والأركان، لما كان يمكن الحكم عليها بالحرمة والمنع، ولكن أخذ صورة زواج الأصدقاء شكلا جماعيا، يجعل هناك نوعا من التردد في إطلاق الحكم الشرعي إلا بعد تقديم بحوث ودراسات متعمقة، حتى يخرج علماء الأمة بفتوى جماعية توضح الحكم في المسألة.
وفي هذا الصدد يجب على المسلمين أن يرجعوا إلى منهج الإسلام في تيسير الزواج، وألا يُكلف الزوج فوق طاقته، وأن يتخير لابنته من يعرف لها حقها، ويحفظ لها دينها، ويسعى لإسعادها في حياتها.
ولعل في الرجوع إلى منهج الإسلام في تيسير الزواج غناء عن هذه الصورة وغيرها.
ويمكن اقتصار زواج الأصدقاء ساعتها إلى تحويل الصداقة بين الجنسين إلى الطريق المشروع وهو الزواج الشرعي مع تيسيره بما لا يشق على شباب المسلمين.
والله أعلم