السؤال:

أنا شاب أريد أن أتزوج من فتاة مسيحية، وسنها لا يسمح أن تزوج نفسها ، فلابد من موافقة الولي ، فهل يشترط في الإسلام الولي للمرأة الكتابية، ولو كان غير مسلم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد اشترط الإسلام الولي في الزواج، و جعله من الأمور اللازمة له، مع بقية الشروط من الإيجاب والقبول والمهر، وغيرها، حتى يأخذ الزواج شكله الاجتماعي في إطار ما وضع الشارع الحكيم للناس .
أما في هذه المسألة فلا تصح ولاية غير المسلم على ابنته المسلمة في عقد النكاح، ولكن لا مانع من أن يكون موجودا وحاضرا لعقد النكاح ولا ينقص هذا من حقوقه الأخرى الواجبة على ابنته من الإحسان إليه والبر في معاملته ووصله بكل خير .

وبالنظر إلى شروط النكاح وأركانه، يلحظ كل ذي عقل، ما للزواج من مكانة في الإسلام، وكيف أنه وضعه موضع الاحترام والتقدير، فالزواج ليس نزوة عابرة، أو استمتاعا مؤقتا، بل هو ميثاق غليظ كما سماه الله تعالى في كتابه.
و ذلك أن بناء المجتمع يرجع إليه، وهو سبب في خلافة الله تعالى في الأرض ، وذلك حين قال تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة.

وقد أباح الإسلام أن يتزوج المسلم من نساء أهل الكتاب إن كانت عفيفة شريفة ، لما لأهل الكتاب من أواصر مع المسلمين ، وتقديرا من الإسلام للأديان التي تتفق معه في أصلها قبل التزوير والتصحيف ، وهي دعوة لمعرفة الإسلام من خلال التشابك الاجتماعي والترابط الأسري بين أبناء الديانتين ذات الأصل الواحد.

وإن كان الإسلام قد اشترط في نكاح المسلم من المسلمة الولي، فإن تزوج المسلم من مسلمة ، وكان وليها من أهل الكتاب لم تصح ولايته ، لأنه لا ولاية مع اختلاف الدين، وهو رأي الأئمة الأربعة ، ويستشهدون على هذا بقوله تعالى:” إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ” ، وبقوله تعالى :” والذين كفروا بعضهم أولياء بعض”، وهذا يدخل تحت كون نفي الولاية بين المسلم وغير المسلم ، ولا يعني هذا انتقاص حق الوالد غير المسلم تجاه ابنته ، فله من التقدير والتوقير والبر، غير أنه لا ولاية له في النكاح عليها ، لأنها ارتفعت عنه بالإيمان بالله تعالى وبخاتم رسله صلى الله عليه وسلم ، واتباع الدين الحق، فكان ولاؤها للدين أعلى قدرا من ولائها لوليها غير المسلم.
و إن كانت المرأة التي سيتزوجها المسلم كتابية ، فوليها يكون من أهل الكتاب ، وهو رأي أبي حنيفة والشافعي وجمهرة الحنابلة وجمهور الأئمة الفقهاء.
وبنى الجمهور فتواه على أنه لما اتحد الدين ، كان له عليها ولاية ، لأنه يكون وليها ، فلا يسلبه الإسلام ولايته من ابنته التي على دينه ، وكما أنه لما كان عليه ولاية إن تزوجها كتابي ، كان له عليها ولاية إن تزوجها مسلم.
ويرى بعض الحنابلة أنه يزوجها الحاكم المسلم، وليس للأب ولاية على ابنته الكتابية إن تزوجت من مسلم، حكى ذلك القاضي أبو يعلى، مستشهدا بقول الإمام أحمد: لا يعقد يهودي ولا نصراني عقدة نكاح لمسلم ولا مسلمة.
ومستند هذا الرأي أنه عقد افتقر إلى شهادة رجلين مسلمين ، فلم يصح بولاية كافر.
ولكن كثيرا من الحنابلة يذهبون إلى رأي الجمهور ، وقد نصر رأي الجمهور الإمام ابن قدامة الحنبلي، وجعله أصح ممن قال بنفي ولاية الوالد الكتابي لابنته الكتابية في الزواج من مسلم.

وقال منصور بن يونس البهوتي من علماء الحنابلة:
ويلي كتابي نكاح موليته الكتابية فيزوجها من مسلم وذمي ويباشره؛ لأنه ولي مناسب لها فجاز له العقد عليها ومباشرته.انتهى
والخلاصة أن الولي الكتابي يتولى عقد نكاح ابنته الكتابية إن تزوجت من مسلم، وما استدل به بعض الحنابلة من كون العقد يحتاج إلى شاهدي عدل ، فإنه لا ارتباط بين كون الولي كتابيا ، وبين كون الشاهدين مسلمين ، لأنه لما جاز أن تكون الزوجة كتابية مع اشتراط الشاهدين المسلمين ، ولأنه هناك اختلاف في وظيفة كل منهما، فلا يصح القياس عليه.
ويتضح من كلام الفقهاء أن القول بتولي الولي الكتابي نكاح ابنته الكتابية من مسلم هو أصوب الآراء وأقربها إلى روح الشرع.
والله أعلم