السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله أريد الزواج من فتاة ، غير أني لا أملك المهر، وهي غنية ،ومتدينة ، وهي تعلم بحالي، فقالت :أنا أعطيك مالا ، لتدفعه مهرا أمام أبي ، فهل يجوز ذلك بحيث يكون الزواج صحيحا؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد جعل الإسلام للزواج شروطا وأركان لا يصح الزواج إلا بها، من الإيجاب والقبول، والولي والشاهدين والمهر الذي هو حق المرأة الخاص من زوجها لنكاحها .
و قد شرع المهر تطييبا لخاطر المرأة ، وتوثيقا لطلب الرجل من الزواج بها، وإعزازا لما للزوجة من مكانة في الإسلام.

وقد أوجبه الله تعالى في كتابه، و على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال الله تعالى:(وَآتُواْ

النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا).( النساء : 4)
وقد روى البخاري وغيره من أصحاب السنن عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنِّي وَهَبْتُ مِنْ نَفْسِي فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ قَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا قَالَ مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي فَقَالَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ فَالْتَمِسْ شَيْئًا فَقَالَ مَا أَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ.
وأجمع علماء المسلمين قاطبة أن المهر حق للمرأة خالص لها ، لا يحل لأب أو أخ أو زوج أن يأخذ منه شيئا إلا بطيب خاطر.

و دفع المرأة المال للرجل، ليدفعه مهرا لها، جائز من ناحيتن:
الأول: أن الهبة مشروعة ، بلا شروط، ما دامت في شيء مباح ، فهي عطاء بلا مقابل ، وقد أعطى الإسلام للمرأة الحق في أن تتصرف في مالها كيفما تشاء ، فلها أن تبيع أو تشتري أو تهب. وقد استشهد الفقهاء بمشروعية الهبة ، بالآية محل الموضوع ،وهي قوله تعالى :( فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً).

الثاني: أن المهر حق للمرأة ، فلها أن تتنازل عنه ، ولكن يشترط تسمية المهر ، فإن سمي المهر ، وسلم الزوج المرأة المهر ،فلها أن تتنازل عنه أو شيء منه ، وذلك ما يفهم من قوله تعالى :( فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً) (النساء : 4)

قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: ويدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكرا كانت أو ثيبا جائزة ; وبه قال جمهور الفقهاء..
واتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها , ولا رجوع لها فيه .أ.هـ
و روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية ” فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ” فقال : ( إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان, ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة )
وروى الطبري بسنده عن المعتمر , عن أبيه , قال : زعم حضرمي أن أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته , فقال الله تبارك وتعالى: ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ).
ويشترط في تنازل المرأة عن المهر لزوجها ، أن يكون ذلك بطيب نفس كما أخبرت الآية ، وليس في ذلك إجبار، و لا غش ولا خداع.
وإن كان بطريق الغش والخداع ، وتنازل المرأة بطيب خاطر، صح الفعل ، مع إثم الرجل ، لأن الخداع منهي عنه شرعا.
والأولى أن يكون الزوج بحاجة إليه، أو أن يكون غير مالك للمهر، مع الرغبة في الزواج بها.
كما أنه لما كان من الجائز للمرأة أن تهب لمن تشاء عطية أو صدقة، فكان من الجائز أن تعطي لمن لها مصلحة عنده ، كالذي سيتقدم إليها للزواج بشرط الرضا.
ولما كان الرضا شرطا في عقود البيع، وكذلك في إجراء عقد الزواج، كان الرضا مبيحا أن تعطي المرأة الرجل مالا كهبة، ثم يقدمه لها مهرا لزواجها.
وإن كان الإسلام قد أمر أن يكون الإنفاق على الرجل، وأنه واجب عليه ، وحق للمرأة ، فمن المروءة – وليس من الواجب- أن يعطي الزوج المهر للزوجة متى تيسر لها ، حتى تشعر بمكانتها عند زوجها، وأنه ما أنقصها قدرها ، وإنما أخذ منها ما وهبتك وقت الحاجة.

والله أعلم