السؤال:

اقترض مني أحد الأصحاب مبلغا معينا من المال، وقد تأخر في السداد مدة تغيرت فيها قيمة العملة، فما أشتريه اليوم بعشرين ألف جنيه، كنت أشتريه وقت أن أعطيته القرض بعشرة آلاف، فهل يجوز لي أن أطالبه بالزيادة بالقدر الذي يدفع عني هذه الخسارة؟ جزاكم الله خيرا.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

هذه مسألة من مسائل الخلاف بين العلماء، فذهب بعض العلماء إلى وجوب رد مثل الدين عددا ولا عبرة بالقيمة، في حين ذهب آخرون إلى اعتبار القيمة في حالة الرخص والغلاء، ولا عبرة بالعدد، والراجح أن المدين ليس له أن يطالب بالفرق، بل ليس له سوى الثابت له عددا لا قيمة، فإن كان له أربعون فليس له غيرها ،وهذا ما وصل إليه مجمع الفقه الإسلامي.

يقول الدكتور حسام الدين عفانه أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس:
إن الأصل المقرر في الفقه الإسلامي أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء ) وفي رواية أخرى: ( أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير ) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

فابن عمر كان يبيع الإبل بالدنانير أو الدراهم، وقد يقبض الثمن في الحال وقد يبيع بيعاً آجلاً، وعند قبض الثمن ربما لا يجد مع المشتري بالدنانير إلا دراهم، وقد يجد مع من اشترى بدراهم ليس معه إلا دنانير أفيأخذ قيمة الثمن يوم ثبوت الدين أم يوم الأداء؟
مثلاً إذا باع بمائة دينار وكان سعر الصرف: الدينار بعشرة دراهم أي أن له ما قيمته ألف درهم، وتغير سعر الصرف فأصبح الدينار مثلاً بأحد عشر درهماً أفيأخذ الألف أم ألفاً ومائة؟ وإذا أصبح بتسعة دراهم فقط أفيأخذ تسعمائة درهم يمكن صرفها بمائة دينار يوم الأداء أم يأخذ ألف درهم قيمة مئة الدينار يوم البيع؟ بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن العبرة بسعر الصرف يوم الأداء، وابن عمر الذي عرف الحكم من الرسول الكريم سأله بكر بن عبد الله المزني ومسروق العجلي عن كري لهما له عليهما دراهم وليس معهما إلا دنانير فقال ابن عمر: أعطوه بسعر السوق.

فهذا الحديث الشريف يعتبر أصلاً في أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته حيث يؤدي عند تعذر المثل بما يقوم مقامه وهو سعر الصرف يوم الأداء لا يوم ثبوت الدين. وهذا مذهب أكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ،واختاره كثير من الفقهاء والعلماء المعاصرين حيث إنهم يرون أن الدين إذا استقر في ذمة المشتري بمقدار محدد فالواجب هو تسديد ذلك المقدار بدون زيادة أو نقصان فالديون تقضى بأمثالها في حالة الرخص والغلاء ولا تقضى بقيمتها.

جاء في مدونة سحنون في فقه المالكية: ]كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا ].

وقال أبو إسحاق الشيرازي- من فقهاء الشافعية: ] ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل].

وقال الكاساني:] ولو لم تكسد – النقود – ولكنها رخصت قيمتها، أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ،ولا يلتفت إلى القيمة هاهنا. ]

وقال الشيخ ابن عابدين في رسالته عن النقود:  ]لأن الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد ] رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود 2/60 ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:  ]لا يجب في الفرق إلا رد المثل بلا زيادة ] مجموع الفتاوى.

وقال العلامة الغزي: أما إذا غلت قيمتها أو ازدادت، فالبيع على حاله، ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير. وفي البزازية معزياً إلى المنتقى: (غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني أولاً ليس عليه غيرها ) رسالة بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود.

ويضاف إلى ما سبق أن معظم فقهاء العصر يرون أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها إلا إذا كان تغير قيمة العملة كبيراً كما ذكرت سابقاً، ويرون أن قضاء الديون بقيمتها يعد من الربا المحرم شرعاً.

وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة بحثاً مستفيضاً وتوصل العلماء المشاركون في المجمع إلى القرار التالي:

العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج 3/2261.

ومن المعلوم أيضاً أن المدين ليس له علاقة بانخفاض قيمة العملة حتى نقول بأن عليه أن يدفع الفرق؛ فالمدين غير مسؤول عن ذلك حيث إن تغير قيمة العملة ينتج عن أمور كثيرة سياسية كانت أو اقتصادية أو غير ذلك فلا يصح أن نحمل أحد الطرفين مسؤولية ذلك الانخفاض لأن في تحميل المدين نتيجة الانخفاض رفعا للظلم عن الدائن ووضعه على المدين.

وفي القواعد المقررة شرعاً أن الضرر لا يزال بمثله، وكذلك فإن الظلم لا يزال بظلم . كما أن انخفاض قيمة العملة عندما يقع فإنه يصيب الأموال ولو كانت بأيدي أصحابها.

فمثلاً لو أن الموظف المذكور في السؤال قبض رواتبه من المؤسسة في أوقاتها وادخرها إلى الآن فإن انخفاض قيمة العملة سيؤثر عليها بلا شك فهذا الانخفاض ناتج عن أسباب خارجة عن إرادة الموظف والمؤسسة التي يعمل بها.

وخلاصة الأمر أنه لا يجوز للدائن المطالبة بفرق العملة من المدين نتيجة انخفاض قيمة العملة وخاصة أن هذا الانخفاض ليس كبيراً أي لا يتجاوز الثلث الذي اعتبره الفقهاء حداً فاصلاً بين القليل والكثير.
والله أعلم.