السؤال:

أنا تاجر أبيع وأشتري، وكثيرا ما أبيع بالتقسيط، فيحدث أن يتعثر أحد المدينين في أداء أقساطه، فهل إذا ترفقت به ، وأمهلته أكون مأجورا؟ إن الأفضل لي في تجارتي أن لا أصبر عليه حتى لا أمنع من استثمار مالي غير أني أعرف أن للآخرة حرثا كما أن للدنيا حرثا، وأنا أرجو ما عند الله تعالى، فهل يعتبر إنظاره من حرث الآخرة؟ وهل جاء في الشريعة فضل لإنظار المعسر يغري المنظرين؟ فأنا لا أحب أن أتعثر في تجارتي في الدنيا بسبب الإنظار دون أن يكون لي بذلك عوض يسرني يوم لقاء ربي

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

من المعاني التي اهتم الإسلام بغرزها في نفوس المسلمين إنظار المعسر، والمعسر هو المدين الذي لا قدرة له على السداد، فمطلوب من دائنه أن يترفق به، وأن يمهله حتى ييسر الله له خاصة إذا كان الدائن ذا قدرة ويسار، وقد جعل الله هذه الفضيلة مدرجة إلى الجنة.

يقول الشيخ سليمان بن ناصر العلوان من علماء المملكة العربية السعودية:-
حث الله المسلمين ممن آتاهم الله بسطة في المال ، وثروة في الاقتصاد ، مواساة ومساعدة إخوانهم المعسرين ، والقيام معهم في معيشتهم ، والنظر في شئونهم ، فالمسلمون بعضهم لبعض كالعضو الواحد ، وقد جاء الإسلام بالتكافل الاجتماعي ، وجاء الركن الثالث من أركان الإسلام ، الزكاة ، ومما رغب فيه الصدقة .
ومما حث عليه إنظار المعسر، والتعاون مع المعوزين ، والتوسيع على المعسرين مما يعزز عمق الأخوة الصادقة ، وينشر المودة الخالصة ، ويبث روح الرحمة بين أفراد المجتمع ، يحسن فيها القوي إلى الضعيف والغني إلى الفقير .

إن الإسلام ضرب القدح المعلى ، وصور المثل العليا في التكافل الاجتماعي والتضامن الإسلامي ، فجاء في الإنفاق على المحتاجين ، والبذل للمعوزين ، والعطف على الفقراء والمدينين ، ورتب على ذلك تجاوز الله تعالى عن الذنوب والآثام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم ، قالوا : أعملت من الخير شيئاً ؟ قال : كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن المعسر ، قال : قال : فتجاوزوا عنه) متفق عليه من طريق زهير ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة رضي الله عنه .

وإنظار المعسر ، من أسباب تنفيس كرب يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم من طريق أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة ، أن أبا قتادة طلب غريماً له فتوارى عنه ، ثم وجده ، فقال : إني معسر ، فقال : آلله؟ – يقصد استحلافه بالله-، قال : آلله قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر ، أو يضع عنه) .

وإنظار المعسر ، من أسباب الاستظلال بظل الله يوم لا ظل إلا ظله ، روى مسلم في صحيحه من طريق يعقوب بن مجاهد أبي حزرة ، عن عبادة بن الوليد ابن عبادة بن الصامت قال : خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار ، قبل أن يهلكوا ، فكان أول من لقينا أبا اليسر ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غلام له ، معه ضمامة من صحف ، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري ، وعلى غلامه بردة ومعافري ، فقال له أبي : يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب ، قال : أجل كان لي على فلان بن فلان الحرامي مال ، فأتيت أهله فسلمت ، فقلت ثم هو ؟ قالوا لا فخرج عليَّ ابن له جفر ، فقلت له أين أبوك ؟ قال سمع صوتك فدخل أريكة أمي ، فقلت اخرج إلي فقد علمت أين أنت، فخرج ، فقلت : ما حملك على أن اختبأت مني ؟ قال أنا والله أحدثك ، ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك ، وأن أعدك فأخلفك ، وكنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت والله معسراً ، قال قلت آلله- يقصد استحلافه- ، قال الله ، قلت آلله ، قال الله ، قلت آلله ، قال الله، قال فأتى بصحيفته فمحاها بيده ، فقال إن وجدت قضاء فاقضني ، و إلا أنت في حل ، فأشهد بصر عيني هاتين (ووضع إصبعيه على عينيه) وسمع أذني هاتين ، ووعاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول (من أنظر معسراً ، أو وضع عنه ، أظله الله في ظله) .

والله أعلم .
نقلا عن موقع الإسلام اليوم.