السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم هل يجوز الاستماع إلى القرآن من الشرائط المسجلة أثناء الصلاة خاصة قيام الليل ، والترديد خلف المقرئ أو الاستماع له فقط ؟ خاصة أنني أجد خشوعا أكثر في ذلك لحسن ترتيل المقرئ، فوالله إنني لا أشعر في كل مرة وكأنني لأول مرة أستمع للقران الكريم .. وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ففي قيام الليل إما أن يصلي الإنسان فردا، وإما أن يصلي جماعة ، فإن صلى فردا، وجب عليه القراءة ،ولا يجوز الاستماع إلى مسجل أو غيره، لأن القراءة ركن من أركان الصلاة ، لا تصح إلا بها . وجمهور الفقهاء على وجوب قراءة الفاتحة ، وسنية قراءة شيء من القرآن بعدها مما تيسر.

وإن كان الإنسان يصلي قيام الليل جماعة ، وجب عليه قراءة الفاتحة إن ترك الإمام له فسحة ، وإلا فوجب عليه الاستماع للفاتحة وغيرها مما يتلى بعد الفاتحة ، ولا يجوز له ترك ما يقرأ الإمام ويستمع إلى المسجل، لأنه بهذا تشاغل عن الصلاة ، و لو بالقرآن. لقوله تعالى :” (وإذَا قُرِئ القُرآن فاسْتَمِعُوا لَه وأنْصِتُوا لَعلَّكُمْ تُرْحَمُون) (سورة الأعراف : 204).

كما أنه ليس للإنسان أن يبتدع شيئا في العبادات ،لأن الأصل التوقف على ما جاء في الشرع دون زيادة ، ولله أن يتعبدنا بالكيفية التي يحبها ويرضاها سبحانه، وليس لنا إلا الامتثال.
يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي في منظومة القواعد الفقهية بتصرف يسير :

الأصل في العبادات التحريم. فلا يجوز للإنسان أن يتعبد لله -عز وجل- بعبادة، إلا إذا ورد دليل من الشارع بكون تلك العبادة مشروعة. ولا يجوز لنا أن نخترع عبادات جديدة، ونتعبد الله -عز وجل- بها، سواءً عبادة جديدة في أصلها، ليست مشروعة، أو نبتدع صفة في العبادة ليست واردة في الشرع، أو نخصص العبادة بزمان أو مكان.

كل هذا من البدع المحرمة في الشريعة، ودليل تحريم البدع، وعدم جواز التعبد أي عبادة الله -عز وجل- بها- قوله سبحانه:” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ”، فالأصل الاتباع. وقوله -جل وعلا-: “وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وقوله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ”، وقوله -عز وجل-:” أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ” .

فالتشريع حق خاص بالله -عز وجل- ويدل على ذلك -من السنة- حديث عائشة الصحيح: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد وفي رواية: من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد ، وفي حديث العرباض أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:” وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة” كما في النسائي.أ.هـ

وإن كان الإنسان يصلي قيام الليل جماعة ، وجب عليه قراءة الفاتحة إن ترك الإمام له فسحة ، وإلا فوجب عليه الاستماع للفاتحة وغيرها مما يتلى بعد الفاتحة ،ولا يجوز له ترك ما يقرأ الإمام ويستمع إلى المسجل ،لأنه بهذا تشاغل عن الصلاة ، و لو بالقرآن. لقوله تعالى :” (وإذَا قُرِئ القُرآن فاسْتَمِعُوا لَه وأنْصِتُوا لَعلَّكُمْ تُرْحَمُون) (سورة الأعراف : 204).

وإن كان المقصود أن يخشع الإنسان في الصلاة، فيمكن أن يكون ذلك بتدبر الآيات المتلوة ، ويمكن أن يقدم المصلون حسن الصوت ليصلي بهم إن كانوا يصلون إماما، ويمكن تخصيص وقت للاستماع إلى القرآن من المسجل ، بأصوات الشيوخ أصحاب الحناجر القوية ، والأصوات الجميلة ، التي يخشع معها الإنسان ، وتساعد على تدبر القرآن.

ومقصود السماع والتأثر به أمر مشروع ، لقوله تعالى :” أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها”.

وقد ذكر العلماء أن من الحالات التي يجب فيها سماع القرآن والإنصات إليه في الصلاة ، ولا يجوز التشاغل بشيء عنه ، ولو كان سماع القرآن خارج الصلاة.

وجاء في الموسوعة الفقهية : ذهب الحنفية إلى أن استماع المأموم في الصلاة

لقراءة الإمام والإنصات إليه واجب , وقراءته مكروهة كراهة تحريمية , سواء أكان ذلك في الجهرية أم السرية . وذهب المالكية إلى أن استماع المأموم لقراءة الإمام تستحب في الجهرية , أما السرية فإنها تستحب فيها القراءة على المعتمد , خلافا لابن العربي حيث ذهب إلى وجوبها في السرية . وذهب الشافعية إلى أن قراءة المأموم الفاتحة في السرية والجهرية واجبة , وإن فاته الاستماع . وذهب الحنابلة إلى أنه يستحب للمأموم الاستماع إذا كان يسمع قراءة الإمام في الجهرية.انتهى

و يقول الشيخ عطية صقر من كبار علماء الأزهر :

قال الله تعالى: (وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) [سورة الأعراف: 204].

حكى ابن المنذر الإجماع على أن استماع القرآن والإنصات إليه واجب في الصلاة وخطبة الجمعة، وليس واجبًا في غير هاتين الحالتين، بل هو سنة، وذلك لأن وجوب الاستماع فيه حرج كبير على القائمين بأعمال ضرورية تحتاج إلى يقظة وعدم انشغال، وبخاصة أن القرآن يتلى ويذاع من جهات متعددة، إن لم يكن من البيت أو محل العمل فمن البيوت أو المحال الأخرى.

والمراد بسماع القرآن في الصلاة هو سماع المأموم لقراءة الإمام، فلا يجوز أن يشغل المأموم عن قراءة الإمام بأن يقرأ هو، ، والإنصات إلى خطبة الجمعة واجب لأن فيها قرآنًا، والنصوص ثابتة في الأمر بالإنصات للخطبة، وأن من لغا أو انصرف عنها فلا جمعة له.

والخلاصة أن الاستماع إلى القرآن واجب في الصلاة عند قراءة الإمام وفي خطبة الجمعة، ومندوب في غير ذلك، فقد روى أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلا آية من كتاب الله كانت له نورًا يوم القيامة” ذكره ابن كثير عند تفسير الآية المذكورة “وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له”.
والله أعلم