السؤال:

إذا كان الإنسان يكتسب ماله من حلال ، أليس من الشرع أن ينفقه كيف يشاء ، لأنه هو المالك له الذي تعب في كسبه ، فلماذا يضع الإسلام القيود في النفقة، من النهي عن الإنفاق في حرام ، أو الإسراف في المباح؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فالإنسان ليس مالكا لماله في الحقيقة ، وإنما هو مستخلف فيه، وقد حرم الإسلام الإسراف والتبذير وإن كان من ماله ، لأن للأمة حقا في مال الفرد ، والإسلام وسط في منهج التملك .
هذا خلاصة ما قاله الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ، وإليك نص كلامه :

إذا كان لمال الغير حرمة تمنع من التعدي عليه خفية أو جهارا. فإن لمال الإنسان نفسه حرمة أيضا بالنسبة لصاحبه تمنعه أن يضيعه، أو يسرف فيه، أو يبعثره ذات اليمين وذات الشمال.
ذلك أن للأمة حقا في مال الأشخاص، وهي مالكة وراء كل مالك، ولذلك جعل الإسلام للأمة الحق في الحجر على السفيه المتلاف في ماله، لأنها صاحبة حق فيه. وفي ذلك يقول القرآن: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) سورة النساء:5.
فهنا يخاطب الله الأمة بقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) مع أنها في ظاهر الأمر أموالهم. ولكن مال كل فرد في الحقيقة هو مال لأمته جمعاء.
إن الإسلام دين القسط والاعتدال. وأمة الإسلام أمة وسط. والمسلم عدل في كل أموره، ومن هنا نهى الله المؤمنين عن الإسراف والتبذير، كما نهاهم عن الشح والتقتير. قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) سورة الأعراف:31.
والإسراف إنما يكون بالإنفاق فيما حرم الله كالخمر والمخدرات وأواني الذهب والفضة ونحوها، قل القدر المنفق أو كثر.
أو يكون بإضاعة المال بإتلافه على نفسه وعلى الناس. وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.
أو بالتوسع في الإنفاق فيما لا يحتاج إليه، مما لا يبقى للمنفق بعده غنى يغنيه.
قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو) البقرة:219. “إن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) الإسراء:26. وقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) سورة الإسراء:29. وقال: (والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) الفرقان:67. وقال صلى الله عليه وسلم: “إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه ثم بمن يعول وهكذا وهكذا”.وقال عليه الصلاة والسلام: “خير الصدقة ما أبقت غنى” وعن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول الله خذها صدقة، فوالله لا أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من بين يديه فقال: (هاتها) مغضبا فأخذها منه، ثم حذفه بها بحيث لو أصابته لأوجتعه، ثم قال: “يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ثم يجلس يتكفف الناس. إنما الصدقة عن ظهر غنى، خذها لا حاجة لنا فيها”.وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن كان يحبس لأهله قوت سنة.
وقال الحكماء: الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط. فالإنفاق الكثير هو التبذير، والتقليل جدا هو التقتير، والعدل هو الفضيلة، وهو المراد من قوله تعالى: (قل العفو) ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة. فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة، وشرع النصارى على المساهلة التامة، وشرع محمد صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور. فلذلك كان أكمل من الكل”.
والله أعلم