السؤال:

يشيع بين الناس أن هناك بعض الرجال شعورهم نحس، فلابد من حلق الشعر وحرقه حتى لا تجهض المرأة ، فإن لم يحرق ، فقد تجهض المرأة ، وقد حدث هذا أكثر من مرة ، كما أن هناك من يأتي ببعض الناس يقرؤون القرآن حتى تربط المرأة ولا تجهض ، فهل في هذا شيء محرم ، علما أن الله أمرنا بالتداوي ،ولكنه لم يأمرنا بالذهاب إلى الأطباء في كل شيء.

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
الإجهاض من الحالات التي تصيب عددا من النساء ، ونظرة الإسلام إليه تكون عن طريق الكشف الطبي وسؤال الأطباء لمعرفة سببه ، وكيفية علاجه ، فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وأبو داود والنسائي عن أسامة بن شريك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” تداووا عباد الله، فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم”،أي الكبر والشيخوخة .
وقد قال تعالى :”فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”.
غير أن الإسلام وإن كان يدعو إلى التداوي والمعالجة ، فإنه لم يأمر المسلمين أن يتبعوا الخرافات والخزعبلات لا في مجال الطب ولا العقيدة ، ولا في أي مجال من مجالات الحياة ، بل أمرهم بالأخذ بالأسباب، والبعد عن تلك الخرافات.
فحرق شعر الرجل حتى لا تجهض زوجته ، أو أن هناك من الرجال من شعره نحس، أو قراءة القرآن لربط المرأة حتى لا تجهض ، فكل هذا من الخرافات التي يبرأ منها الإسلام ،وهي لا تمت له بصلة .
كما أنه لابد من التفرقة بين تعاليم الإسلام كما جاءت عن طريق الوحي والرسول،وبين أفعال المسلمين .
وقد نعى القرآن الكريم الذين يتشاءمون من الأشخاص ، فقال ” ” فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” الأعراف 131.
وقد سعى المشركون لإيمانهم بعقيدة التشاؤم أن يحدثوا خللا في حياة المسلمين ، وأن يوهموهم أن ما أصابهم من أذى ، فهو بسبب اتباعهم الرسول صلى الله عليه وسلم ،فنزل قوله تعالى ” قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ” .
والتشاؤم والتطير من معوقات حركة الحياة عند الناس ، وإيقاف لمسيرة التقدم ، ولذا حذر الإسلام منها ، بل وضع لها علاجا من ناحيتين:
الأولى : العلاج الروحي ، بتحريم التطير والتشاؤم من المتشاءم منه ، سواء أكان يوما أو شهرا أو شخصا أو مكانا . فروى البخاري بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” العيافة والطيرة والطرق من الجبت “.و في الحديث نهي عن أنواع من التكهن كالضرب بالحصى أو الخط في الرمل ،ويتبعهما كل أنواع التكهن.
وحصن المسلم من أن يؤمن بمثل هذه الخرافات ، وأن يدعو الله تعالى مفوضا الأمر له وحده ، ” اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوّة إلا بك ” رواه أبو داود.
وروى الإمام أحمد في مسنده وابن السُّني بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال : ” من ردَّته الطِّيرة عن حاجته فقد أشرك ” قالوا فما كفارة ذلك ؟ قال : ” أن تقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك “.
كما عالج ذلك أيضا بالتوكل على الله ، وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصبه ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن النصر مع الصبر ، وأن مع العسر يسرا.
الثاني : الأخذ بالأسباب ، فمن كان مريضا ، فليقم بالكشف الطبي ،ومن كان عاطلا ، فليسع إلى البحث عن العمل ، أما الجري وراء الخرافات كحرق الشعر ، لأجل أن تحفظ المرأة من الإجهاض ، فهذا أمر ينكره الإسلام ولا يقره ، بل تأثم المرأة إن تركت نفسها دون علاج حتى تجهض ، ويأثم زوجها أيضا ، لأن فيه تعديا على حق الجنين ، وهي نفس محترمة في الإسلام.
كما أننا في حاجة أن يعيش المسلمون حاضرهم وأن يفكروا في مستقبلهم ،وأن يخرجوا من وحلهم ، وأن يفكروا في سيادة المجتمع الإنساني ، وهذا لن يكون بحرق الشعر ، أو بقراءة القرآن للربط ، فهو نوع الجهل الممقوت .
ولكن لا مانع مع الأخذ بالأسباب أن يتوجه الإنسان بالدعاء إلى الله أن يحفظ زوجته ، وأن تدعو المرأة ربها أن يحفظ جنينها ، وكذلك كل عمل صالح يدعى الله به لجلب نفع أو دفع ضر.
وفي التشاؤم والتطير يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
التطير أو التشاؤم من بعض الأشياء، من أمكنة وأزمنة وأشخاص وغير ذلك من الأوهام التي راجت سوقها -ولا تزال رائجة- عند كثير من الجماعات والأفراد، وقديما قال قوم صالح له: (اطيرنا بك وبمن معك) سورة النمل:47.
وكان فرعون وقومه إذا أصابتهم سيئة: (يطيروا بموسى ومن معه) سورة الأعراف:131. وكثيرا ما قال الكفار الضالون، حينما ينزل بهم بلاء الله لدعاتهم ورسل الله إليهم: (إنا تطيرنا بكم) سورة يس:18.
وكان جواب هؤلاء المرسلين(طائركم معكم) سورة يس:19. أي سبب شؤمكم مصاحب لكم، وهو كفركم وعنادكم، وعتوكم على الله ورسله.
وكان لعرب الجاهلية في هذا الجانب سبح طويل، واعتقادات شتى، حتى جاء الإسلام فأبطلها، وردهم إلى النهج العقلي القويم.
ونظم النبي صلى الله عليه وسلم التطير مع الكهانة والسحر في سلك واحد وقال: “ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له”.
وقال صلى الله عليه وسلم: “العيافة والطيرة والطرق من الجبت”.
العيافة: الخط في الرمل، وهو ضرب من التكهن لا زال حتى اليوم.
الطرق: الضرب بالحصى، وهو نوع من التكهن أيضا.
الجبت: ما عبد دون الله تعالى.
إن هذا التطير أمر قائم على غير أساس من العلم أو الواقع الصحيح، إنما هو انسياق وراء الضعف، وتصديق للوهم، وإلا فما معنى أن يصدق إنسان عاقل، أن النحس في شخص معين، أو مكان معين، أو ينزعج من صوت طائر أو حركة عين، أو سماع كلمة؟!
وإذا كان في الطبع الإنساني شيء من الضعف يسول للإنسان أن يتشاءم من بعض الأشياء لأسباب خاصة، فإن عليه ألا يستسلم لهذا الضعف ويتمادى فيه، وخاصة إذا وصل إلى مرحلة العمل والتنفيذ.
وقد روي في ذلك حديث مرفوع: “ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الظن، والطيرة، والحسد، فإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ”. وبذلك تكون هذه الأمور الثلاثة مجرد خواطر وأحاديث نفس لا أثر لها في السلوك العملي وقد عفا الله عنها. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك”.
قال ابن مسعود: “وما منا إلا.. ولكن يذهبه الله بالتوكل” يعني ابن مسعود: ما منا أحد إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك، ولكن الله يذهب ذلك عن قلب من يتوكل عليه ولا يثبت على ذلك الخاطر.

والله أعلم