السؤال:

سؤالي يتعلق بالصلاة مع الجماعة. لاحظت في المساجد – عندنا هنا في المغرب – خلال هذه السنوات الأخيرة انتشار ظاهرة إلصاق الأقدام بعضها البعض بين المصلين ( لعدم ترك فرجة للشيطان) ؛ بحيث ترى المصلي لكي يحاذي قدمه قدم المصليين الواقفين بجانبه يقف فاتحا قدميه بصفة مثيرة للعجب مع أن من خصوصيات الصلاة الاعتدال في القيام .
وهناك من يبالغ في إلصاق قدمه بقدم المصلي الواقف بجانبه إلى درجة التشويش عليه في صلاته. فهل لهذا التصرف مبرر شرعي خاصة و أن بعض أَئمة المساجد يقولون بعد إقامة الصلاة: “حاذوا بين المناكب والأقدام”.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصف في الصلاة، وتسويته وسد الفرج وذلك في أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: “سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة” متفق عليه. على أن يراعى أن يقوم المسلم بالعمل بما في الحديث من التراص، ولكن لا يفرج قدمه بصورة تجعل المناكب تتباعد، ويحرص على ألا يشوش على من يصلى بجواره؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. هذا فحوى كلام العلماء، وإليك نص فتواهم

يقول فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد ـ من علماء المملكة العربية السعودية:
يجب على المسلمين أن يرصوا صفوفهم و أن يسدوا الفرج بينهم وذلك يكون بمحاذاة المنكب مع المنكب والقدم مع القدم .
عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري ” .رواه البخاري ومسلم .
وعن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ، ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله . . .” .

قال أبو داود : ومعنى ولينوا بأيدي إخوانكم أي : يكون الرجل ليناً منقاداً لأخيه إذا قدمه أو أخره ليستوي الصف . ( عون المعبود )
أبو داود والنسائي وصححه الألباني في صحيح أبي داود .
عن النعمان بن بشير يقول : ” أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه فقال : أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال : فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه ” .
رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود .

وهل ينظر الرجل عن يمينه أو يساره حتى يساوي الصف ؟
السنة أن يتوسط الإمام الصف ، فيقف مقابلاً منتصف الصف ، فتبدأ الصفوف من خلف الإمام لا من يمين المسجد ولا من يساره كما يفعل البعض ، بل من خلف الإمام ، ثم يكمل الصف على اليمين واليسار معاً محافظة على السنة في توسط الإمام .
وعلى هذا فمن كان على يمين الصف فإنه ينظر إلى يساره ويحاذي من على يساره ، ومن كان على يسار الصف فإنه ينظر إلى يمينه ويحاذي من على يمنيه .
أما الفرجة بين القدمين فإن المصلي يقف وقوفاً معتدلاً ، فلا يضم قدميه ولا يزيد في المباعدة بينهما لأنه كلما زاد تباعد إلصاق المنكب بالمنكب ، والتراص في الصف يكون في إلصاق القدم بالقدم والكتف بالكتف .
قال الشيخ بكر أبو زيد :
ومن الهيئات المضافة مجدَّداً إلى المصافة بلا مستند : ما نراه من بعض المصلين من ملاحقته مَن على يمينه إن كان في يمين الصف ، ومَن على يساره إن كان في ميسرة الصف ، وليِّ العقبين ليُلصق كعبيه بكعبي جاره .
وهذه هيئة زائدة على الوارد ، فيها إيغال في تطبيق السنة ، وهي هيئة منقوضة بأمرين :
الأول : أن المصافَّة هي مما يلي الإمام ، فمن كان على يمين الصف : فليصافَّ على يساره مما يلي الإمام ، وهكذا يتراصُّون ذات اليسار واحداً بعد واحد على سمت واحد في تقويم الصف ، وسد الفُرَج ، والتراص والمحاذاة بالعنق ، والمنكب، والكعب ، وإتمام الصف الأول فالأول .

أما أن يلاحق بقدمه اليمنى – وهو في يمين الصف – مَن على يمينه ، ويلف قدمه حتى يتم الإلزاق : فهذا غلط بيِّن ، وتكلف ظاهر ، وفهم مستحدث فيه غلو في تطبيق السنة ، وتضييق ومضايقة ، واشتغال بما لم يشرع ، وتوسيع للفُرَج بين المتصافين .
يظهر هذا إذا هوى المأموم للسجود ، وتشاغل بعد القيام لمَلْأ الفراغ ، وليِّ العقب للإلزاق ، وتفويت لتوجيه رؤوس القدمين إلى القبلة .
وفيه ملاحقة المصلي للمصلي بمكانه الذي سبق إليه ، واقتطاع لمحل قدم غيره بغير حق .
وكل هذا تسنُّن بما لم يشرع .
أهـ
ويقول الشيخ عطية صقر ـ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا:
إذَا كَان الإنسان يُصلِّي إمامًا أو منفردًا كان من السنة ألا يَضم قدميه عند القيام في الصلاة، بل يُفرِّج بينهما، وذلك باتفاق الأئمة، أما المَسافة بين القدمين فقدَّرها الحنفية بأربع أصابع، فإن زاد أو نقص كان مكروهًا، وقدَّرها الشافعية بشبر، وقال المالكية والحنابلة يكون التفريج متوسطًا، بحيث لا يضم القدمين ولا يوسعهما كثيرَا حتى يتفاحش عرفًا.

وإذا كان المصلي مأمومًا في صف فمن السنة سدُّ الفُرَج وتراصُّ الصفوف، وجاء في ذلك حديث رواه البخاري ومسلم عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوجهه فقال: ” أقيموا صفوفكم وتراصُّوا، فإني أراكم من وراء ظهْري”، وجاء في رواية البخاري: فكان أحدنا يُلْزِقُ مِنْكَبَه بمِنْكب صاحبه وقَدَمَه بِقَدَمِه. وجاء في رِوَاية أبي داود وابن خُزَيمة في صحيحه عن النعمان بن بشير قوله: فلقدْ رأيت الرجل منا يُلْزِقُ مِنْكَبَه بمِنْكَب صاحبه، وكعبَه بكعبِه.

والكعب هو العَظْم الناتئ في جانِبَي الرجْل عند ملتقى الساق بالقدم؛ لأنَّه هو الذي يُمكن أن يلزق بالذي بجنبه، والقول بأن الكعب هو مؤخر القدم قول شاذ يُنسب إلى بعض الحنفية ولم يُثْبِتْه محقِّقُوهم، كما جاء في الفتح لابن حجر.

وإلْزاق أو لزْق المناكب يتْبعه بسهولة إلْزاق الكعوب، لكن لو تباعدَت المَنَاكِب اقتضى إلْزاق الكُعوب التفريج بين الأقدام بمسافة كبيرة تتفاحش عُرفًا، كما يقول المالكية والحنابلة، وتزيد على الشبر، كما يقول الشافعية وعلى الأصابع الأربعة، كما يقول الحنفية، وذلك مكروه.

وقد يحرص بعض الأشخاص على إلزاق الكعوب، على الرغم من تفاحش المسافة بين قدميه، فهو يُريد فعل سنَّة فيقع في مكروه، إلى جانب مُضايقته لمَن بجواره الذي حاول ضمَّ قدميه لكنه يُلاحقه ويُفَرج بين قدمَيْه بصورة لافتة للنظر، وقد يضع رجله ويضغط عليها ومضايقة المصلِّي تُذهب خشوعه أو تقلِّله، والإسلام نهى عن الضرر والضرار.

وتضرُّر بعض المصلِّين من إلزاق جاره رجْله برجْله ذَكَرَه أحد رواة الحديث، وهو معمر فيما أخرجه الإسماعيلي، حيث قال: ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنَفَرٍ كأنه بَغْلٌ شَمُوسٌ. فأرجو التنبُّه لذلك، إبقاءً على المودَّة ومساعدةً على الخشوع في الصلاة.

والله أعلم.