السؤال:

ينتشر الإيدز انتشارا كبيرا، وتشير أصابع الاتهام للدول الإفريقية كأنها المنشأ له، وقد أثير مؤخرا الحديث عن قتل الرحمة : فهل منشأ الإيدز بحق دول إفريقية، وهل يجوز قتل مريض الإيدز، وهل يجوز قتل الجنين المصاب بالإيدز؟ جزاكم الله خيرا

الجواب:

،بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :

الإيدز مرض مرتبط بالشذوذ واللواط وظهر أول ما ظهر في أمريكا، في أوائل الثمانينات وبالتحديد في صيف عام ألف وتسعمائة وواحد وثمانين من الميلاد ( 1981م ) ، أبلغ مركز مراقبة الأمراض الأمريكي بعزل خمس حالات في مدينة ” لوس أنجلوس”.

وهو مرض من الخطورة بمكان ففي بداية المرض يوجه الفيروس ضربته إلى أساس المناعة الخلوية وهي الخلايا الليمفاوية وتشمل التغيرات المناعية الخلوية وعدم الاستجابة للاختبارات ونقص عدد الخلايا الليمفاوية في الدم ، كما ينتج بالضرورة اختلال في كمية الجلوبيولينات المناعية، وهذه الحقائق ذكرها الدكتور فيليب عطية في كتابه أمراض الفقر نشر عالم المعرفة.

وحكم الإسلام معروف في تحريم اللواط والسحاق والشذوذ الجنسي، ولقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من اقتراف الفاحشة، لأنها ستكون سببا في ظهور كثير من الأمراض التي لم تظهر من قبل فقد روى ابن ماجة عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: أقبل علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن -وأعوذ بالله أن تدركوهن- لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا”. (ابن ماجة).

ومرض الإيدز لا علاج له للآن، ومن يصاب به فقد أصيب بمرض موت، وقد يلجأ كثير من المرضى للانتحار استعجالا للموت.

وليس غريبا أن تتبنى بعض الدول الأوربية إصدار قوانين تبيح الانتحار، لا سيما في حال المرض الميئوس منه، وقد سبقت هولندا دول العالم في هذا الأمر: هولندا أول بلد يجيز “القتل الرحيم”

ثم جاءت مؤخرا بريطانيا حيث أقر عندها مؤخرا بريطانيا تسمح بالقتل الرحيم والإسلام يرفض

وإذا كانت الدول تسمح بذلك وتساعد الناس على استعجال الموت والتخلص من النفس، فإن الإسلام يحافظ على النفس مادامت فيها حياة، حتى ولو أصيبت بأشد الأمراض، بل وحتى بمجرد تكوينها كجنين له حياة في الرحم.

جاء في (الندوة الفقهية الطبية السابعة) وموضوعها: “رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الإيدز: الجنين حي من بداية الحمل، وإن حياته محترمة في كافة أدوارها، خاصة بعد نفخ الروح، ولا يجوز العدوان عليها بالإسقاط إلا للضرورة الطبية القصوى، وخالف بعض المشاركين فرأى جوازه قبل تمام الأربعين يوماً وخاصة عند وجود الأعذار. وترى الندوة أن هذا الحكم ينطبق على الأم الحامل المصابة بعدوى الإيدز.

وعليه فإن الجنين الذي مضي على وجوده في رحم الأم أربعة أشهر ، لا يجوز إسقاطه بحال ، حتى ولو كان مريضا بأي مرض من الأمراض ، أما قبل ذلك ففيه خلاف بين العلماء ، إلا إذا كانت حياة الأم متوقفة على وجوده وفيه خلاف .

والراجح في هذه المسألة هو جواز إسقاط المريض بمرض الإيدز قبل أربعة أشهر من تكونه لما يلي :

1-  نص الفقهاء على جواز إسقاط الجنين المشوه قبل مرور أربعة أشهر.
2-  نص الفقهاء على جواز إنقاذ الأم قبل الجنين إذا كانت حياتها متوقفة على حياته ، والجنين في هذه الحالة خطر على الأم بل وعلى المجتمع.
3-  نص بعض الفقهاء على جواز إسقاط الجنين قبل نفخ الروح فيه.

وبناء على هذا فلا حرج من إسقاط الجنين قبل نفخ الروح فيه، أما بعد نفخ الروح فلا يجوز لأن الأمر متعلق بحياة قد تكونت بالفعل.

ومع حفاظ الشريعة على الجنين المصاب نجدها تحافظ على الحياة إلى آخر لحظة فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8 إلى 13 صفر 1407هـ / 11 إلى 16 أكتوبر 1986م بعد التداول في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع “أجهزة الإنعاش” واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين قـــرر ما يلي :

يعتبر شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين :
1 – إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.
2 – إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وحكم الأطباء الإختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل. أ.هـ

وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وان كان بعض الأعضاء كالقلب مثلاً لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة، أما في غيرها فلا.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي حول منع قتل المريض الميئوس من شفائه:

لا يجوز للطبيب بحال – ولا لغيره- قتل المريض الميئوس من شفائه لأن فيه عملا إيجابيًا من الطبيب بقصد قتل المريض، والتعجيل بموته، بإعطائه تلك الجرعة العالية من الدواء المتسبب في الموت، فهو قتل على أي حال. سواء كان بهذه الوسيلة أم بإعطاء مادة سمية سريعة التأثير، أم بصعقة كهربائية أم بآلة حادة، كله قتل، وهو محرم، بل هو من الكبائر الموبقة. ولا يزيل عنه صفة القتل أن دافعه هو الرحمة بالمريض”.ويمكن قراءة الفتوى كاملة بالضغط على ما يلي: قتل الرحمة و تيسير الموت للمريض

وهذا يدل على حفاظ الشريعة على الحياة لآخر لحظة والاهتمام بالمريض ولو كان ميئوسا من بقائه.

ولا يعد الإيدز مرض موت شرعاً إلا إذا اكتملت أعراضه، وأقعد المريض عن ممارسة الحياة العادية، واتصل بالموت، وحتى ولو كان مرض موت فلا يجوز أن نجهز عليه وإلاّ عد قتلا.
والله أعلم.