السؤال:

نحن في مركز إسلامي أوربي، ونريد أن نسوق للتبرعات التي تعيننا على الدعوة لله تعالى، ومن الوسائل المتاحة في ذلك أن نعرض أوراق أو كوبونات-كورق اليانصيب- ونعطي على بعضها جوائز، فهل هل هذا الفعل لغرض الخير حلال أم حرام؟ وماذا علينا إذا جاءنا تبرع من حصيلة اليانصيب؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

فقد ذكر العلماء أن كسب المال يجب أن يكون مصدره حلالا، وأن اليانصيب نوع من القمار، وفيه ضياع للوقت والمال، وإذا كانت النية هي عمل مشاريع الخير، فلابد أن تكون الوسيلة مشروعة، ومن يشتري ورقة يانصيب لا يبغي التبرع بل يشتريها وفي نيته أنها ربما تكسب، وهذا فيه الغرر المنهي عنه.

أما إذا وصل تبرع مصدره أموال يانصيب، فلا يرد بل اليتامى والأرامل والفقراء أحق به، ولكن لا تصح به بداية.

جاء في فتاوى دار الإفتاء بالأزهر:

نفيد أن بيع الأشياء عن طريق البخت (النصيب) حرام بلا شك لأنه بيع باطل أو فاسد للجهالة ولكونه على خطر لأن كل من يدفع شيئا لا يدرى عين المبيع الذي يأخذه ولا إن كان يأخذ في نظير ما دفع شيئا أم لا فهو في حكم القمار.أ.هـ

وعن استعمال اليانصيب في أوجه الخير يقول الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي :

يقوم المنهج الإسلامي على الربط بين الاقتصاد والأخلاق، فالاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: “إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيبًا”، فلا يجوز لنا أن نرتكب الحرام لننشئ به مشروعًا خيريًّا، كأن نبيع الخمر أو نلعب الميسر أو نأكل الربا أو غير ذلك من التصرفات المحرمة بيقين؛ لنفعل بها بعض الخيرات.

وما يسمى ” باليانصيب ” هو لون من ألوان القمار، ولا ينبغي التساهل فيه والترخيص به باسم ” الجمعيات الخيرية ” و” الأغراض الإنسانية “.

إن الذين يستبيحون اليانصيب لهذا، كالذين يجمعون التبرعات لمثل تلك الأغراض بالرقص الحرام، و” الفن ” الحرام . ونقول لهؤلاء وهؤلاء: ” إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا “.

والذين يلجئون إلى هذه الأساليب يفترضون في المجتمع أنه قد ماتت فيه نوازع الخير، وبواعث الرحمة، ومعاني البر، ولا سبيل إلى جمع المال إلا بالقمار أو اللهو المحظور، والإسلام لا يفترض هذا في مجتمعه، بل يؤمن بجانب الخير في الإنسان، فلا يتخذ إلا الوسيلة الطاهرة للغاية الشريفة، تلك الوسيلة هي الدعوة إلى البر واستثارة المعاني الإنسانية، ودواعي الإيمان بالله والآخرة.

حكم التبرع بأموال اليانصيب:

ولكن إذا وجدت أموال محرمة أو مشتبه فيها فمصرف هذه الأموال المحرمة هو الفقراء والجهات الخيرية، فإذا كانت هذه الأموال المجموعة من اليانصيب ليست من عمل هؤلاء الأخوة ولا من صنعهم ولا من تدبيرهم، وإنما جاءت من غيرهم، فلا بأس أن يأخذوها؛ لأنهم قطعًا من الجهات المستحقة والمصارف المشروعة لهذه الأموال الخبيثة والمشبوهة.

ويقول الإمام الأكبر فضيلة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر رحمه الله:

اليانصيب صورة مُنَظَّمة من صور الميسر الذي حرَّمه الله ـ تعالى ـ في القرآن في قوله: (يا أيُّها الذينَ آمنوا إنما الخمرُ والميسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عملِ الشيطانِ فاجتنبوهُ لعلَّكم تُفلِحونَ) ثم بيَّن عِلَّة هذا التحريم فقال: (إنَّما يُريدُ الشيطانُ أن يُوقِعَ بينكم العداوةَ والبغضاءَ في الخمرِ والميسرِ ويَصُدَّكُم عن ذِكْرِ اللهِ وعنِ الصلاةِ فهلْ أنتُم مُنْتَهُونَ).

فاليانصيب ـ لكونه لونًا من ألوان الميسر ـ ينشر العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهو مع ذلك يؤدي في ارتباك الحالة النفسية لمَن يشتَرِك فيه بين اليأس المُقْنِط والأمل الكبير، ويَبْعُد عن المُواجهة الجِدِّيَّة للمشاكل، ويجعل المرء متعلقًا بأباطيل الأماني وكواذب الآمال، ومن أجل هذا فالشريعة الإسلامية تُحَرِّمه وتُحَذِّر منه وتجعل المال المُتَحَصِّل فيه سُحْتًا لا يحل لمؤمن تناولُه أو التعامل به والاستفادة منه.

ويقول الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله:

لا يقبل في الإسلام مبدأ أن الغاية تُبَرِّر الواسطة، فإن هذا المبدأ الذي يعتمده اليهود والشيوعيُّون يفتح أبوابًا من الوسائط الإجرامية لا حدود لها، فيجب في الإسلام أن تكون الغاية والواسطة كلتاهما مشروعتَين.

وقد كان المَيسر في جاهلية العرب ذا غاية نبيلة وخيِّرة، حيث كان الخاسر فيه يذبح جزورًا يأكل منه اللاعبون وسواهم من فقراء القبيلة، ومع ذلك حرَّمه الإسلام بنصِّ القرآن؛ لأن وسيلته غير سليمة، وهي الاعتماد على الحظِّ، وما يجرُّه اللعب من آفات أشار إليها القرآن بقوله: (إنَّما يُريدُ الشَّيطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوةَ والبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ والمَيْسِر ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة: 91).

هذا إلى أنّ مَن يشتري تذكرة اليانصيب، حينما يكون ربح الفائز مُغريًا ضخمًا كسيارة مثلاً، لا يتجه برغبته إلى بذل المَعونة لأجل الهدف الخيري لليانصيب وإنما كلّ همِّه الأمل في ربح السيارة بأيسر سبيل وأرخص ثمن هو شراء التذكرة، وهذا هو الأمل الفاسد الذي يقود صاحبه إلى الفشل، ويُقعده عن العمل الجَدِّيِّ المُجْدِي الذي هو الوسيلة الصحيحة للاكتساب.

والله أعلم.