السؤال:

في كثير من الأحيان أجد غلظة في قلبي، فلا أستشعر ما كنت أستشعره من إيمان وحب وتقوى وصلاح، وأريد معرفة الأسباب التي يمكن أن أسترد بها حياة ورقة قلبي. وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

فأسباب رقة القلب كثيرة منها معرفة الله تعالى وقدرته، ومنها المداومة بخشوع على كتاب الله تعالى، ومنها تذكر الآخرة وأحوال الناس فيها والعمل لها.

يقول فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي من علماء المملكة العربية السعودية:

فأسباب رقة القلب وأسبابها كثيرة فما رق القلب بسبب أعظم من سبب الإيمان بالله تبارك وتعالى، ولا عرف عبد ربه بأسمائه وصفاته إلا كان قلبه رقيقا لله عز وجل، وكان وقّافا عند حدود الله .

فلا تأتيه الآية من كتاب الله ، ويأتيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال بلسان الحال والمقال: “سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ” البقرة

السبب الأول: معرفة الله تعالى:

فما من عبد عرف الله بأسمائه الحسنى وتعرف على هذا الرب الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إلا وجدته إلى الخير سباق، وعن الشر محجام.

فأعظم سبب تلين به القلوب لله عز وجل وتنكسر من هيبته المعرفة بالله تبارك وتعالى، أن يعرف العبد ربه، أن يعرفه، وما من شيء في هذا الكون إلا ويذكره بذلك الرب، يذكره الصباح والمساء بذلك الرب العظيم،
وتذكره النعمة والنقمة بذلك الحليم الكريم، ويذكره الخير والشر بمن له أمر الخير والشر سبحانه وتعالى، فمن عرف الله رق قلبه من خشية الله تبارك وتعالى.

والعكس بالعكس فما وجدت قلبا قاسيا إلا وجدت صاحبه أجهل العباد بالله عز وجل، وأبعدهم عن المعرفة ببطش الله ، وعذاب الله وأجهلهم بنعيم الله عز وجل ورحمة الله .

حتى إنك تجد بعض العصاة أقنط ما يكون من رحمة الله ، وأيئس ما يكون من روح الله والعياذ بالله لمكان الجهل بالله .

فلما جهل الله جرأ على حدوده، وجرأ على محارمه، ولم يعرف إلا ليلا ونهارا وفسوقا وفجورا، هذا الذي يعرفه من حياته، وهذا الذي يعده هدفا في وجوده ومستقبله.

السبب الثاني: النظر في كتاب الله تعالى:

الذي يكسر القلوب ويرققها، ويعين العبد على رقة قلبه من خشية الله عز وجل النظر في آيات هذا الكتاب، النظر في هذا السبيل المفضي إلى السداد والصواب، والنظر في كتاب وصفه الله بقوله: “كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ” هود

ما قرأ العبد تلك الآيات وكان عند قراءته حاضر القلب متفكرا متأملا إلا وجدت العين تدمع، والقلب يخشع والنفس تتوهج إيمانا من أعماقها تريد المسير إلى الله تبارك وتعالى، وإذا بأرض ذلك القلب تنقلب بعد آيات القرآن خصبة طرية للخير ومحبة الله عز وجل وطاعته.

ما قرأ عبدٌ القرآنَ ولا استمع لآيات الرحمن إلا وجدته بعد قراءتها والتأمل فيها رقيقا قد اقشعر قلبه واقشعر جلده من خشية الله تبارك وتعالى: ” كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ” الزمر.

هذا القرآن عجيب، بعض الصحابة تُليت عليه بعض آيات القرآن فنقلته من الوثنية إلى التوحيد، ومن الشرك بالله إلى عبادة رب الأرباب سبحانه وتعالى في آيات يسيرة.

هذا القرآن موعظة رب العالمين وكلام إله الأولين والآخرين، ما قرأه عبد إلا تيسرت له الهداية عند قراءته، ولذلك قال الله في كتابه:” وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ” القمر

السبب الثالث: تذكر الآخرة:

ومن الأسباب التي تعين على رقة القلب وإنابته إلى الله تبارك وتعالى تذكر الآخرة، أن يتذكر العبد أنه إلى الله صائر.

أن يتذكر أن لكل بداية نهاية، وأنه ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.

فإذا تذكر الإنسان أن الحياة زائلة وأن المتاع فان وأنها غرور حائل دعاه – والله – ذلك إلى أن يحتقر الدنيا ويقبل على ربها إقبال المنيب الصادق وعندها يرق قلبه.

ومن نظر إلى القبور ونظر إلى أحوال أهلها انكسر قلبه، وكان قلبه أبرأ ما يكون من القسوة ومن الغرور والعياذ بالله .

ولذلك لن تجد إنسانا يحافظ على زيارة القبور مع التفكر والتأمل والتدبر، إذ يرى فيها الأباء والأمهات والإخوان والأخوات، والأصحاب والأحباب، والإخوان والخلان.

يرى منازلهم ويتذكر أنه قريب سيكون بينهم وأنهم جيران بعضهم لبعض قد انقطع التزاور بينهم مع الجيرة.

وأنه قد يتدانى القبران وبينهما كما بين السماء والأرض نعيما وجحيما.
ما تذكر عبد هذه المنازل التي ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذكرها إلا رق قلبه من خشية الله تبارك وتعالى. أ.هـ

ويمكنكم مطالعة الفتاوى التالية:

ذنوب القلوب وذنوب الجوارح

حب الدنيا وسيطرته على القلوب

من وسائل تطهير القلب

وسائل تجديد الإيمان

والله أعلم.