السؤال:

إذا كان من شرط وجوب الجمعة الإسلام، فهل يسلَم الكافر من الإثم؛ لأن الجمعة غير واجبة عليه؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

اختلف العلماء في حكم تكليف الكافر بفروع الشريعة، هل هو مخاطب بفروع الشريعة من صيام وزكاة فيعاقب على تركها علاوة على عقاب الكفر، أم يكتفى بعقاب الكفر؟ وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه مخاطب بفروع الشريعة فيجمع عليه بين عقاب الكفر وبين عقاب ترك الفرائض من صلاة وغيرها، وعليه فيعاقب على ترك الجمعة، وذهب آخرون إلى أنه لا يعاقب إلا على الكفر وحده، وفي العذاب به غنى وكفاية. وقد اتفق الجميع على أنه لا تقبل منه الطاعة إلا إذا أسلم.

يقول الشيخ ابن العثيمين- رحمه الله- :-
لا يسلَم الكافر من الإثم على تركه صلاة الجمعة ؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الإسلام، كما هو مخاطب بأصوله، والدليل على ذلك :-

قوله تعالى: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنِ الْمُجْرِمِينَ(41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47) [المدثر] ، ووجه الدلالة من الآية: أنهم ذكروا من أسباب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين، ولا من المطعمين للمسكين، بل أقول: إن الكافر معاقب على أكله وشربه ولباسه، لكنه ليس حراماً عليه بحيث يمنع منه إنما هو معاقب عليه.

ودليل ذلك قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } [المائدة: 93] ، فقوله: {)لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ } يدل بمفهومه على أن غيرهم عليهم جناح فيما طعموا، والطعام يشمل الأكل والشرب؛ لقوله تعالى: {) فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي )(البقرة: من الآية249) .

ودليل اللباس قوله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(لأعراف: من الآية32) ، فقوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(لأعراف: من الآية32) } يفهم منه أنها ليست للذين كفروا، وقوله: { خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يفهم منه أنها لغير المؤمنين ليست خالصة لهم، بل يعاقبون عليها.

والمعنى يقتضي ما دلت عليه النصوص من معاقبة الكافر على الأكل والشرب واللباس والنعمة والصحة، وكل شيء؛ وذلك لأن العقل يقتضي طاعة من أحسن إليك، وأنك إذا بارزته بالمعصية وهو يحسن إليك، فإن هذا خلاف الأدب والمروءة، وبه تستحق العقوبة، فصارت النصوص مؤيدة لما يقتضيه العقل. انتهى كلام الشيخ.

وقال الشيخ العراقي- في طرح التثريب- أثناء تعليقه على ما رواه البخاري ومسلم من قوله صلى الله عليه وسلم : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقه إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )

فيه أن هذا الوعيد في حق المسلمين والكفار فإن الذي يرى سبيله إلى الجنة هو المسلم وأما الذي يرى سبيله إلى النار فيحتمل أن يكون على سبيل التأبيد فيها فهو الكافر ويحتمل أن يكون على سبيل التعذيب والتمحيص ثم دخول الجنة وهو المسلم وفي دخول المسلم في هذا الوعيد الرد على المرجئة الذين يقولون : إنه لا يضر مع الإسلام معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

والكتاب والسنة مشحونان بما يخالف قولهم، واعتذروا عن ذلك بأن المراد به التخويف لينزجر الناس عن المعصية وليس على حقيقته وظاهره وهو باطل , ولو صح قولهم لارتفع الوثوق عما جاءت به الشرائع واحتمل في كل منها ذلك , وهذا يؤدي إلى هدم الشرائع وسقوط فائدتها وفي دخول الكافر في هذا الوعيد دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وبه قال أصحابنا- الشافعية- خلافا للمعتزلة والحنفية , وقد يجيبون عن هذا بأن المراد دخوله النار على سبيل التعذيب لا على سبيل التخليد وليس في اللفظ ما يدل على ذلك.

والله أعلم .