السؤال:

معروف كثرة المدارس الفقهية في وقتنا هذا، وأن لكل مدرسة منهجها في التعامل مع النصوص الشرعية، والذي قد يؤدي إلى اختلاف في الاجتهادات الفقهية، واختلاف في الرؤى للأحداث اليومية، فإذا اتبعت إحدى هذه المدارس، وظهر لي بعد البحث والتمحيص أن الحق مع ما رأيت، فكيف يكون موقفي مع من يخالفني؟ هل أرميه بالبدعة والفسوق؟ هل أهجره وأقاطعه؟ هل أنكر عليه، وأحاول تغيير ما عليه بيدي ولساني فإن لم أستطع فأبغضه بقلبي؟أم ماذا يكون موقفي معه، والحال أنني أرى أن الحق معي، وأنه أخطأ الحق، بل أراه حقيقة على معصية.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :-
كان الخلاف وسيبقى ما بقيت الدنيا، والخلاف ليس شرا، ولكن الشر هو التفرق، والمسائل الخلافية لا يجوز فيها الإنكار لا باليد، ولا باللسان، ولا بالقلب، ولكن يكون فيها التناظر بالقول الجميل، والتبادل بالحجج، فإذا لم يتفق الطرفان بعد ذلك فلا تباغض، ولا تناكر، ولا تنافر.
يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق- رئيس لجنة تحقيق التراث بالكويت:-
إذا وقع الخلاف بين مسلم وآخر في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف ، وهي الأمور الاجتهادية ، أو الأمور التي اختلف الصحابة والأئمة فيها قديماً فإن الواجب الشرعي هو اتباع آداب الخلاف والمناظرة.
ولا شك أنه لو اتبعت آداب المناظرة قضي على الخلاف بإذن الله ، ووصل المختلفان إلى الاتفاق ، ووفقا بحول الله إلى الحق.
وأما إذا ظهر لكل منهما صحة نظره وسلامة قوله ، وأنه لا يستطيع أن يدين الله إلا بما يراه ، فإن واجب المختلفين ما يأتي: –

 (1) إعذار المخالف وترك أمره لله سبحانه وتعالى: هو إعذار من يخالفك الرأي من المسلمين في الأمور الاجتهادية ، وإيكال أمره لله ، وتنزيهه من فساد النية ، وإرادة غير الحق ما دام ظاهره هو الدين والعدل.

 (2) إبقاء الأخوة: لا يجوز لمسلم أن يقاطع أخاه المسلم لرأي ارتآه ، أو اجتهاد اجتهد فيه ما دام يعلم أنه تحرى الحق ، واتبع ما يظن أنه الصواب ، ولا يجوز في مثل هذه الحالة هجران أو تعزير ، ولا شك أنه لو أن كل مختلفين تهاجرا لم يبق مسلم مع مسلم.

(3)  لا تشنيع ولا تفسيق ولا تبديع للمخالف في الأمور الاجتهادية : لا يجوز اتهام المخالف ولا التشنيع عليه، ولا ذكره من أجل مخالفته ، ولا تبديعه ، ولا تفسيقه ومن صنع شيئاً من ذلك فهو المبتدع المخالف لإجماع الصحابة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
 قد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم ، كمسائل في العبادات ، والمناكح والمواريث والعطاء ، والسياسة ، وغير ذلك ، وحكم عمر أول عام في الفريضة الحجرية- وهي مسألة الميراث المشهورة- بعدم التشريك ، وفي العام الثاني بالتشريك في واقعة مثل الأولى ، ولما سئل عن ذلك قال : تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي. وهم الأئمة الذين ثَبَتَ بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة ، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم.

وقال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي:-
ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه ، وهجرناه ، لما سلم معنا ابن نصير ، ولا ابن مندة ، ولا من هو أكبر منهما ، والله هو هادي الخلق إلى الحق ، هو أرحم الراحمين ، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة انتهى من سير أعلام النبلاء.

( 4) لا يجوز التشنيع ولا التبديع ولا التفسيق لأحد من سلف الأمة ومجتهديها إذا خالف بعض الأمور القطعية اجتهادا منه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:-
ليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف ، وقد تيقنا صحة أحد القولين مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد لوضع الحمل ، وأن الجماع المجرد عن الإنزال يوجب الغسل ، وأن ربا الفضل حرام ، والمتعة حرام).

والله أعلم .