السؤال:

ما رأي القرآن و السنة في القول (إذا كان الكلام من فضه فالسكوت من ذهب ) ؟

الجواب:

‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ‏(‏ فليقل خيرا أو ليصمت)‏ ‏

وبقول الإمام ابن حجر فى شرحه للحديث فى فتح البارى وخاصة فليفل خيرا أو ليصمت قوله : ( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) ‏

‏هذا من جوامع الكلم لأن القول كله إما خير وإما شر وإما آيل إلى أحدهما ; فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها , فأذن فيه على اختلاف أنواعه , ودخل فيه ما يئول إليه , وما عدا ذلك مما هو شر أو يئول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت . وقد أخرج الطبراني والبيهقي في ” الزهد ” من حديث أبي أمامة نحو حديث الباب بلفظ ” فليقل خيرا ليغنم , أو ليسكت عن شر ليسلم ” واشتمل حديث الباب من الطريقين على أمور ثلاثة تجمع مكارم الأخلاق الفعلية والقولية , أما الأولان فمن الفعلية , وأولهما يرجع إلى الأمر بالتخلي عن الرذيلة والثاني يرجع إلى الأمر بالتحلي بالفضيلة , وحاصله من كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله قولا بالخير وسكوتا عن الشر وفعلا لما ينفع أو تركا لما يضر , وفي معنى الأمر بالصمت عدة أحاديث : منها حديث أبي موسى وعبد الله بن عمرو بن العاص ” المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ” وقد تقدما في كتاب الإيمان , وللطبراني عن ابن مسعود ” قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل ” فذكر فيها ” أن يسلم المسلمون من لسانك ” ولأحمد وصححه ابن حبان من حديث البراء رفعه في ذكر أنواع من البر ” قال فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير ” وللترمذي من حديث ابن عمر ” من صمت نجا ” وله من حديثه ” كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب ” وله من حديث سفيان الثقفي ” قلت يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي ؟ قال : هذا . وأشار إلى لسانه ” وللطبراني مثله من حديث الحارث بن هشام وفي حديث معاذ عند أحمد والترمذي والنسائي ” أخبرني بعمل يدخلني الجنة ” فذكر الوصية بطولها وفي آخرها ” ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ كف عليك هذا . وأشار إلى لسانه ” الحديث . وللترمذي من حديث عقبة بن عامر ” قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ قال : أمسك عليك لسانك
ويقول الإمام النووى فى شرح صحيح مسلم
عليهم . هذا كلام القاضي . ‏
‏وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( فليقل خيرا أو ليصمت ) فمعناه أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيرا محققا يثاب عليه , واجبا أو مندوبا فليتكلم . وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه , فليمسك عن الكلام سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين . فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه . وهذا يقع في العادة كثيرا أو غالبا . وقد قال الله تعالى : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } واختلف السلف والعلماء في أنه هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد وإن كان مباحا لا ثواب فيه ولا عقاب لعموم الآية أم لا يكتب إلا ما فيه جزاء من ثواب أو عقاب ؟ وإلى الثاني ذهب ابن عباس رضي الله عنهما , وغيره من العلماء . وعلى هذا تكون الآية مخصوصة , أي ما يلفظ من قول يترتب عليه جزاء . وقد ندب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات أو المكروهات . وقد أخذ الإمام الشافعي رضي الله عنه معنى الحديث فقال : إذا أراد أن يتكلم فليفكر ; فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه تكلم , إن ظهر له فيه ضرر , أو شك فيه أمسك . وقد قال الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن أبي زيد إمام المالكية بالمغرب في زمنه : جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ” , وقوله صلى الله عليه وسلم : ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ” وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له الوصية : ” لا تغضب ” , وقوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” . والله أعلم . ‏
‏وروينا عن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله قال : الصمت بسلامة وهو الأصل والسكوت في وقته صفة الرجال كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال قال : وسمعت أبا علي الدقاق يقول : من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس . قال : فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوت فلما علموا ما في الكلام من الآفات , ثم ما فيه من حظ النفس , وإظهار صفات المدح , والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق , وغير هذا من الآفات وذلك نعت أرباب الرياضة , وهو أحد أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق . وروينا عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال : من عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه . وعن ذي النون رحمه الله : أصون الناس لنفسه أمسكهم للسانه .
انتهى كلام الإمام النووى‏
ومن خلال كلام العلماء يتبين أن الكلام فى بعض الحالات قد يكون أفضل من الصمت كأن يتكلم المسلم بالخير أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر أو غير ذلك من خصال الخير وقد يكون الصمت أفضل إذا كان الكلام سيؤدى إلى الغيبة أو النميمة أو غير ذلك فالضابط هنا هو فيما يتكلم المسلم وعما يصمت والله أعلم