السؤال:

هل صحيح أن خلاف الفقهاء في المسائل الاجتهادية رحمة؟ وإذا كان كذلك فكيف يكون رحمة؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

فإن الخلاف حول النصوص غير القطعية أمر قدري لا يمكن دفعه نظرا لطبيعة النصوص، وطبيعة المجتهدين، وتأثير المكان والزمان، وهذا الخلاف ليس شرا؛ لأن الشر هو التفرق لا الاختلاف، ومن مظاهر سعة الاختلاف وكونه رحمة عدم المؤاخذة لمن اتبع أي رأي من هذه الآراء طالما تدخل في نطاق الخلاف السائغ.

يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق رئيس لجنة تحقيق التراث بالكويت:-
الخلاف في الأمور الاجتهادية الظنية واقع من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع علماء وفضلاء هذه الأمة، وذلك أنه من لوازم غير المعصوم ، ولا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما من بعده فلا عصمة لأحد منهم ، والخطأ واقع منهم لا محالة.
وهذا الخلاف الجائز ، أو السائغ ، قد نص كثير من سلف الأمة أن فيه أنواعاً من الرحمة لهذه الأمة: –
أ-  الرحمة في عدم المؤاخذة:  ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) البقرة:286 وقد ثبت في صحيح البخاري رحمه الله أن الله قال بعد أن أنزل هذه الآية ، وتلاها الصحابة : قد فعلت ، والمجتهد المخطئ معذور ، بل مأجور أجراً واحداً كما جاء في الصحيحين : إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فله أجر واحد. متفق عليه.

ب-  الرحمة والسعة في جواز أخذ القول الاجتهادي كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة المجتهدين: –  قال ابن قدامة رحمه الله في مقدمة كتابه المغني ) :أما بعد … فإن الله برحمته وطوله جعل سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام وأوضح بهم مشكلات الأحكام : اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة ).

وقال الإمام الحجة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم: :(لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم ، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيراً منه قد عمل عمله) جامع بيان العلم وفضله.

وذكر ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله:(أن عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد اجتمعا فجعلا يتذكران الحديث فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفاً فيه القاسم ، وجعل ذلك يشقُّ على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر: لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم) جامع بيان العلم وفضله.

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله) : (أن رجلاً صنف كتاباً في الاختلاف فقال أحمد : لا تُسمِّه كتاب الاختلاف ، ولكن سمه كتاب السعة )

والله أعلم .