السؤال:

رأيت رجلا يتوضأ، ويبدأ بغسل يده اليسرى قبل اليمنى، فقلت له: وضوؤك غير صحيح، فقال:الترتيب في الوضوء غير واجب ،المهم غسل الأعضاء، فهل هذا الكلام صحيحا؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

اختلف الفقهاء في حكم الترتيب في غسل أعضاء الوضوء، فذهب بعضهم إلى وجوبه، وذهب بعضهم إلى أنه سنة مؤكدة، والذي رجحه الشيخ القرضاوي أنه سنة مؤكدة.

ومن المهم التنبيه إليه أنه ليس معنى أن أمرا ما سنة مؤكدة أنه يتهاون به. بل على المسلم أن يكون شديد التحري عن السنة والتمسك بها.

غاية ما يترتب على ذلك أن من توضأ وضوءا منكسا فقد أساء إذا كان عامدا دون أن يبطل وضوؤه، وأما الناسي فلا شيء عليه.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في كتاب فقه الطهارة :-

من الفرائض المختلف فيها: الترتيب بين أعضاء الوضوء الأربعة المذكورة، فيغسل وجهه، ثم يديه إلى المرفقين، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين، كما ذكر الله تعالى في كتابه.

هذا مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد، وهو مروي عن عثمان وابن عباس من الصحابة، ورواية عن عليٍّ، رضي الله عنهم، وبه قال قتادة وأبو ثور وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه.

وقال آخرون: لا يجب الترتيب، وحكاه البغوي عن أكثر العلماء. وحكاه ابن المنذر عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء ومكحول والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك وأصحابهما والمزني وأبو داود. واختاره ابن المنذر.

احتج القائلون بوجوب الترتيب بدليلين: أولهما من القرآن والآخر من السنة.

الأول: أن آية الوضوء ذكرت ممسوحا بين مغسولات، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة، وأشياء غير متجانسة: جمعت المتجانسات على نسق، ثم عطفت غيرها عليها. لا يخالفون ذلك إلا لفائدة، فلو لم يكن الترتيب هنا واجبا، لما قطع النظير عن نظيره.

والثاني: أن الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، كلها وصفته مرتبا مع كثرة المواطن التي رأوه فيها. ولم يثبت مرة واحدة أنه ترك الترتيب، ولو جاز تركه، لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز، كما ترك التكرار في بعض الأوقات.

واحتج القائلون بعدم وجوب الترتيب بآية الوضوء نفسها بأن العطف فيها بـ (الواو) والواو لا تقتضي ترتيبا، فكيفما غسل المتوضئ أعضاءه كان ممتثلا للأمر، كما لو قال لخادمه: إذا دخلت السوق فاشتر خبزا وتمرا، لم يلزمه تقديم الخبز على التمر، بل كيف اشتراهما كان ممتثلا.

وكذلك لأن الوضوء طهارة، فلم يجب فيها ترتيب كالجنابة، وكتقديم اليمين على الشمال، والمرفق على الكعب.

ولأنه لو اغتسل المحدث دفعة واحدة: ارتفع حدثه.

والذي يترجح لي: أن الترتيب لا يوجد دليل على وجوبه، وإن كان المنطقي والطبيعي أن يتوضأ المسلم على الترتيب المذكور، بادئا بما بدأ الله تعالى به، ولذا كان سنة مؤكدة من غير شك. أهـ

وقد أوضح الإمام ابن رشد سبب هذا الاختلاف وأرجعه إلى أمرين :

الأول : الاشتراك الذي في واو العطف،في قوله تعالى :”فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين”، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المترتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة، وهذا معلوم من كلام العرب، ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة‏:‏ الواو لا تقتضي نسقا ولا ترتيبا، وإنما تقتضي الجمع فقط، وقال الكوفيون‏:‏ بل تقتضي النسق والترتيب؛ فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب، ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه‏.‏

والسبب الثاني:  اختلافهم في أفعاله عليه الصلاة والسلام، هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب‏؟‏ فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب، لأنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه توضأ قط إلا مرتبا، ومن حملها على الندب قال إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون والمفروض من الأفعال قال‏:‏ إن الترتيب الواجب إنما ينبغي أن يكون في الأفعال الواجبة، ومن لم يفرق قال‏:‏ إن الشروط الواجبة قد تكون في الأفعال التي ليست واجبة‏.

وفي الموسوعة الفقهية الكويتية :

‏والترتيب إنما يكون في عضوين مختلفين ‏,‏ فإن كانا في حكم العضو الواحد لم يجب ‏,‏ ولهذا لا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى في الوضوء اتفاقا ‏.‏ ولكن يسن ‏,‏ لأن ‏{‏ النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن ‏}‏ ‏.‏

والله أعلم