السؤال:

أنا متزوجة ولدي أولاد وزوجي سيئ الأخلاق ولكني صابرة وراضية بحكم الله، وسؤالي هو هل أنا مأجورة على صبري؟ وسؤالي الأخر بأني لا أريد زوجي في الآخرة فهل يعوضني الله بخير منه وأنا أدعو الله دائماً بأن لا يكون زوجي معي في الآخرة فهل هذا ممكن؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
فالصبر على تربية الأولاد تربية إسلامية صحيحة له أجر عظيم عند الله تعالى، وهذه المسئولية العظيمة تقع على عاتق الزوجين، وإذا قصر الزوج في قيامه بواجبه فإنه يأثم لذلك، والزوجة التي تصبر على سوء خلق الزوج من أجل تربية أولادها يضاعف لها الأجر عند الله، أما بقاؤها مع هذا الزوج سيئ الخلق في الجنة فإن الله تعالى يخيرها في ذلك، إن شاءت كان لها زوجا في الجنة وإن أبت فلها ذلك ويختار الله لها من النعيم ما يشاء، على أن النفوس يوم القيامة ستتبدل وسينزع الله منها الغل والحقد.

وإليك فتوى سماحة المستشار فيصل مولوي -نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء-:
فإن المرأة مأجورة عند الله تعالى على تربية أولادها مطلقا، فكيف إذا ضاقت عليها الدنيا بسوء خلق زوجها وتكاد من أجل هذا أن تترك أولادها وأطفالها الصغار، لكن صبرت وصابرت وتحملت كل ألوان الأذى من زوجها من أجل أطفالها وحتى لا تتركهم يتشردون في الطرقات فيضيعون، فإن لها بذلك الثواب المضاعف إن شاء الله تعالى وقد ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا، فأخبرته فقال: ” من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار” متفق عليه وقوله (ابتلي) أي من اختبره الله بهن وقد سماه ابتلاء لموضع الكراهة عند بعض الناس لهن.

وجاء في حديث آخر أخرجه مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال: ” إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها من النار” أنظر رياض الصالحين باب ملاطفة اليتيم والبنات.

وهكذا يتبين أن حضانة الأولاد وحمايتهم من الجوع والتشرد ليس له ثواب عند الله إلا الجنة وأرجو أن تكوني أيتها الأخت السائلة منهن إن شاء الله.

أما الوالد إذا قصر في حق أطفاله وزوجته فإن الله سوف يحاسبه على ذلك إن تعمده، فكيف إذا ألحق الأذى بهم ظلماً وعدوانا، أو منع عنهم النفقة وما يحتاجون إليه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: “كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت” حديث صحيح أخرجه أبو داوود وغيره ومسلم في معناه. فالحديث يبين أنه يكفي الرجل مؤاخذه من الله إن هو ضيع من وجبت عليه نفقتهم من الأولاد والزوجة وغيرهم وكان قادراً عليها، والحقيقة أن التضييع للعيال هو أعم من كونه امتناعاً عن نفقتهم لكون نفقتهم واجبة عليه. بل الواجب عليه النفقة والتربية على الآداب الإسلامية والأمر بطاعة الله تعالى.

ولقد عاب الإمام ابن أبي جمرة على العلماء الذين إذا تحدثوا عن حق الزوجة على الزوج والأولاد على الأب إنهم يحصرون ذلك في الطعام والشراب والمسكن ويغفلون جانب حملهم على طاعة الله تعالى وأنه من حقهم عليه، ويؤكد الإمام بأن هذا الجانب آكد من الجانب الآخر لأن جانب الطعام والشراب والسكنى يسقط بالإعسار وجانب الإرشاد إلى الدين وتعليمه لا يسقط مطلقاً. أنظر بهجة النفوس جزء2 ص 47.

والآيات والأحاديث كثيرة في حرمة إلحاق الضرر بالزوجة مطلقاً فكيف إذا كان ذلك لسبب من جهته والله يقول (وعاشروهن بالمعروف).

أما السؤال عن أن الأخت السائلة لا تريد زوجها هذا في الجنة – جعلنا الله وإياكم من أهلها – فإنه من المعروف أن الإنسان المؤمن يعيش سعيداً في الجنة وفي غاية النعيم وأن الآيات الكريمة تؤكد أن لهم مما يشتهون فيها وما يتخيرون، فكيف نتصور أن امرأة من أهل الجنة تجبر لتكون زوجة فلان في الجنة، فإن هذا لا ينسجم مع هذا النعيم المطلق لان الاشتهاء والاختيار هما أساس هذا النعيم في الجنة.

وقد ذكر الإمام القرطبي المسألة وأورد فيها الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم، وأن مبنى ذلك على التخيير أو حسن الخلق من الزوج. أنظر التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة جزء2 ص 640 إلا أنه ذكر التخيير بين الزوجين فيما إذا كانت المرأة تزوجت مرتين فزوجة من هي في الآخرة؟

يضاف إلى ذلك أن أحوال أهل الجنة وطبائعهم لا تقاس على أحوال أهل الدنيا وطبائعهم، فالرجل في الجنة هو غير الرجل في الدنيا تماماً وإن كان هو هو بروحه وجسده لأن أهل الجنة أهل الصفاء والطهر قد نزع الله من قلوبهم الكبر والحقد والحسد والبغض وما إلى ذلك

والله أعلم.