السؤال:

أعلم ما لمعاقبة النفس وحرمانها من الأثر في الحث على العمل ، فكثيرا ما تبطيء بي نفسي وتخذلني، وتستزلني وتخدعني، فلا أفيق إلا وقد أشبعت رغباتها في متعة تذهب لذاتها، وتبقى حسراتها، فهل لي أن أعاقبها بالنار، فأذيقها لهيبها وحرها عساها ترتدع وترعوي؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

على العاقل أن يكون بصيرا بنفسه، مترقبا لها؛ فإن النفس نزاعة إلى الشر، داعية إلى الراحة والكسل، إن تركها صاحبها فلن تقنع ، ولن تشبع، ولن يفيق إلا وقد أوردته المهالك، فإذا رأى الإنسان من نفسه قبحا فله أن يحاسبها، ويعاقبها، ويقرعها بسياط الخوف والرجاء، ويسمعها سير قوم حطوا رحالهم في الجنة، وليكن عقابه لها بحرمانها من اللذة والمتعة، وبإتعابها في العبادة والمجاهدة، أما تعريضها للنار في الدنيا فلا يجوز.

يقول الشيخ محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربية السعودية:-
المؤمن الحريص على نجاة نفسه هو الذي يسعى لسلامتها من كل ما يهلكها ، ويرفق بها ، ومن الرفق بها مراقبة سيرها إلى الله لتنجو من عذاب الآخرة ، ومجاهدتها للقيام بما أُمرت به واجتناب ما نهيت عنه ابتغاء رضوان الله ، فيبدأ بالتوبة من سائر الذنوب ، ويحثها على المسابقة في العمل الصالح ، والارتقاء بها إلى المقامات العلى في الإيمان ويسعى إلى ذلك بالأسباب المعينة كمعرفة ثواب الأعمال وآثار الذنوب وأسبابها والابتعاد عن المخذلين وضعيفي الهمم ، وسماع أخبار المجتهدين في الطاعات ثم إذا ضعفت عن الصالحات أو بدرت منها المعاصي ، وجنحت إليها ، فهذا مقام المعاقبة .
فالمعاقبة تكون بعد معرفة الحق ثم الميل عنه ، ولا يبدأ بالمعاقبة إذ لا عقاب قبل معرفة ؛ وحتى يكون ذلك أقطع للعذر عنها .
وتنبه ـ بارك الله فيك ـ إلى أن المعاقبة غير مقصودة لذاتها ، بل هي وسيلة إلى تهذيب النفس وتربيتها ،
وهي مثل الكي للمريض تستعمل بقدر الحاجة >
وليس من المعاقبة المحمودة تعذيب النفس وتكليفها بما لا تطيقه ، أو بما يؤذي البدن كالحرق بالنار أو القيام في الشمس ، أو ما يشبه ذلك بل بزيادة في الأعمال الصالحة بلا مشقة زائدة ، أو حرمانها مما ترغب ، وأنت طبيب نفسك ، وتعلم ما يساعدها على الفتور والعصيان فتتركه .

قال المقدسي رحمه الله :
اعلم أن [ المؤمن ] إذا حاسب نفسه فرأى منها تقصيراً أو فعلت شيئاً من المعاصي فلا ينبغي أن يهملها ، فإنه يسهل عليه حينئذ مقارفة الذنوب ويعسر عليه فطامها بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباحة كما يعاقب أهله وولده ، وكما روي عن عمر أنه خرج إلى حائط له – أي : بستان – ثم رجع وقد صلى الناس العصر ، فقال : إنما خرجت إلى حائطي ، ورجعت وقد صلى الناس العصر ، حائطي صدقة على المساكين .
وروي أن تميماً الداري رضي الله عنه نام ليلة لم يقم يتهجد فيها حتى طلع الفجر فقام الليل سنة لم ينم فيها عقوبة لنومه تلك الليلة .
ومرَّ حسان بن سنان بغرفة فقال : متى بنيت هذه ؟ ثم أقبل على نفسه فقال : تسألين عما لا يعنيك لأعاقبنك بصوم سنة ، فصامها.

أما العقوبات التي فيها إضرار بالبدن أو ارتكاب منهي عنه : فلا تجوز ، كما روي أن رجلاً نظر إلى امرأة فقلع عينيه ، وآخر عصى الله بيده فوضعها في النار حتى شُلت ، فمثل هذا لا يجوز:؛فإنه ليس للإنسان أن يتصرف في نفسه بمثل هذا . أ.هـ بتصرف من ” مختصر منهاج القاصدين ” .

والله أعلم .