السؤال:

أعمل في مجال المقاولات وأحيانا كثيرة أتلقى عروضا من بعض الشركات ويحدث أحيانا أنني بعد أن أتفق مع شركة ما على تنفيذ عمل معين بشروط معينة أعهد بتنفيذ الاتفاق إلى مقاول من الباطن فهل يوجد حرج شرعي في هذه المعاملة؟ وفقكم الله لما يحب ويرضى

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

عقود المقاولات من العقود المنتشرة بين الناس اليوم، ويكاد أن لا يستغنوا عنها، وهذه العقود جائزة وإن كان لا يوجد نص على جوازها؛ لأن العبرة بخلو العقد من المحظورات، ويشترط لجواز عقد المقاولة أن تبين فيه الصفات والشروط، وآجال تسليم الثمن، وتسليم ما وقع عليه المقاولة، ولا مانع من إسناد المقاول المقاولة إلى مقاول آخر في الباطن إذا لم يكن بين المقاول الأول ومن يقاوله شرط يمنع من ذلك، وإلا فلا يجوز.

يقول الدكتور حسام الدين عفانه أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس :-
عقد المقاولة من العقود المستحدثة، ولم يعرفه الفقهاء المتقدمون وإنما تحدث عنه القانونيون والفقهاء المعاصرون . والمقاولة عبارة عن عقد يتعهد المقاول بمقتضاه أن يصنع شيئاً، أو يؤدي عملاً لقاء أجر يتعهد به الطرف الآخر، ويمكن تخريج عقد المقاولة على عقد الاستصناع المعروف في الفقه الإسلامي، أو على عقد الإجارة وكل منهما عقد صحيح شرعاً وقد قامت الأدلة الشرعية على اعتبارهما .
وينبغي أن يعلم أنه يجوز شرعاً استحداث عقود جديدة لم تكن معروفة عند الفقهاء المتقدمين إذا كانت ضمن القواعد العامة للفقه الإسلامي [ وهذه المسألة تسمى بمدى الحرية التعاقدية في الفقه الإسلامي ، وقد اختلف فيها الفقهاء ، فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في إنشاء العقود الإباحة وأن الناس أحرار في إنشاء عقود جديدة ما لم تكن مخالفة لنصوص الشرع الشريف …

وقد دافع شيخ الإسلام ابن تيمية بشدة عن مذهب القائلين بالإباحة وقد استدل الجمهور بالكتاب والسنة والمعقول . أما الكتاب فقوله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) سورة المائدة الآية .
وقوله تعالى :( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ) سورة الإسراء الآية 34 .
وكذلك تدل مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة على وجوب الوفاء بالعقود والوعود والعهود، وأن مخالفة الوعد من علامات النفاق إضافة إلى أحاديث خاصة في الموضوع منها قول النبي صلى الله عليه وسلم :( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً ) رواه الترمذي وقال : حسن صحيح ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ ( المسلمون عند شروطهم ) أي بدون الاستثناء .
وآثار الصحابة تشهد على ذلك بل يقول ابن تيمية :[ إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً ] مجموع الفتاوى 29/516 والقواعد النورانية ص53 .

ثم إن أساس العقود هو التراضي وموجبها هو ما أوجبه العاقدان على أنفسهما ]
فعقد المقاولة من العقود المعتبرة شرعاً ،يصح التعامل به إذا توفرت فيه شروط الانعقاد،فلا بد من توافق الإيجاب والقبول ليتم التراضي بين صاحب العمل والمقاول على ماهية العمل الذي سيؤديه المقاول لصاحب العمل،والأجر الذي يتقاضاه لمقاول.
ولا بد من بيان ذلك بياناً واضحاً قاطعاً للنزاع والخلاف . ومن المعروف أنه في المقاولات الكبيرة يكون هنالك ملحقات للعقد تتعلق بالمواصفات والشروط التي يجب أن يلتزم بها المقاول فهذه تكون تابعة للعقد .

إذا تقرر هذا فإنه يجوز للمقاول أن يتفق مع مقاول آخر على تنفيذ بعض الأعمال ضمن العقد الأساسي ،هذا يسمى المقاولة من الباطن بشرط أن لا يكون هناك نص في العقد يمنع ذلك،فإذا شرط صاحب العمل على المقاول أن ينفذ العمل بنفسه فلا يجوز للمقاول أن يتعاقد مع آخر لتنفيذ العمل كله أو بعضه.
أما إذا لم يكن هذا الشرط موجوداً فحينئذ يجوز للمقاول أن يتعاقد مع آخر لتنفيذ العمل كله أو بعضه ويشترط أن يكون هنالك انفصال تام بين العقدين .

والله أعلم .