السؤال:

إمام مسجدنا يقوم أحيانا بتفسير خطبة الجمعة بالأمازيغية( لغة محلية بالمغرب) على المنبر، علما بأن نسبة كبيرة من السكان لا يستوعبون غير تلك اللهجة، فما حكم الإسلام في عمل هذا الأمام، وبماذا تنصحونه في حالة عدم جواز فعله؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

الغرض من خطبة الجمعة هو وعظ الناس بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، فإذا لم يوجد هذا الوعظ – بصورته المرجوة – من خلال الخطبة باللغة العربية، فيجوز أن تكون الخطبة بغير اللغة العربية.

يقول الشيخ عبد الباري الزمزمي عضو رابطة علماء المغرب:

أجمع علماء الأمة على أن قراءة القرآن في الصلاة يجب أن تكون باللغة العربية ولا تجوز الصلاة بلغة غير العربية، حتى أن أبا حنيفة كان قد أفتى بجواز الصلاة بالفارسية ثم رجع عن فتواه وسار مع الإجماع.

وذلك لأن المسلم مأمور أن يقرأ القرآن في صلاته، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فمن قرأه بغيرها كان قد قرأ تفسير القرآن وترجمته ولم يقرأ القرآن نفسه، والتفسير والترجمة من كلام المخلوق وليس من كلام الله عز وجل إذ إن كلامه هو القرآن الذي نزل باللغة العربية.

أما خطبة الجمعة فليست بصلاة ـ خلافا لمذهب مالك الذي اعتبرها بدلا من الركعتين ـ وإنما هي حديث الإمام إلى المصلين وهي موعظة، وتفقيه في الدين وتذكير بالله عز وجل ولا يشترط فيها أن تكون باللغة العربية ولا دليل على وجوب مخاطبة المصلين يوم الجمعة باللغة العربية فالخطبة لم تشرع عبثا وإنما شرعت لتعليم الناس وتذكيرهم ودعوتهم إلى الله عز وجل، ولا تحقق الخطبة هذه الغاية إلا إذا وعاها المصلون وفهموا عن الخطيب مقالته، ولا ينتفع المصلون بالخطبة إلا إذا كانت بلغتهم التي يفهمونها، ولذلك قال عز وجل (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم).

والخطيب مبلغ عن النبي صلي الله عليه وسلم وحامل رسالته إلى الناس، فيجب أن يحدث الناس بلسانهم ليفهموا عنه ويعلموا بما علمهم، وقد قال سبحانه(وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ)، أي لو نزل الله عز وجل كتابه على أحد من الأعاجم بلغة العجم فقرأه على العرب ما آمنوا به ولا صدقوه لكونهم لن يفهموه، فالمرء إنما يؤمن ويهتدي بما يفهمه من الحجة والمنطق فإذا لم يفهم ما يقال له ظل على جهله وضلاله، وكان الكلام معه لغوا لا فائدة من ورائه كما قال سبحانه:( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء…) الآية ومن أجل ذلك قال سبحانه (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة…) الآية، والحكمة، كما ذكر المفسرون ـ هي المقالة الصحيحة الموضحة للحق المزيلة للشبهة والشك، والموعظة الحسنة هي المقالة البينة التي يستحسنها السامع لتأثيرها في نفسه وموقعها منه موقع القبول والانتفاع، ولا تكون الدعوة إلى سبيل الله بهذه الصفة إلا إذا كانت بلغة المخاطبين ولسانهم الذي يفهمونه.

ولذلك قال عز وجل: (وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا)، والقول البليغ هو القول الذي يبلغ من السامع منتهاه في التأثير والعظة، ولا يوصف القول بذلك إلا إذا فهمه المخاطب وأدرك المقصود منه، ولكل لغة بلاغة وبيان كما قال عز وجل (خلق الإنسان علمه البيان)، أي علمه الإفصاح بلسانه وقلمه عما في ضميره، فكل قوم يعربون عما في صدورهم بلسانهم ولغتهم، ويفهمونه بها أيضا، ومن ثم قال جل ذكره: ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)، أي لو كان في الأرض فئة من الملائكة يعيشون فيها مستقرين على ظهرها لبعث الله إليهم ملكا رسولا يخاطبهم بما يفهمون فيعقلون عنه ويعقل عنهم.

وهكذا يتبين من هذه النصوص القرآنية أن الدعوة إلى الله وتوعية الناس بدينهم ـ ومن ذلك خطبة الجمعة ـ لا تتحقق إلا بمخاطبة الناس بما يفهمون ـ كما قال علي بن أبي طالب:” حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله”، يعني أن الناس إذا خوطبوا بما لا يفهمون حملهم ذلك على التكذيب والإعراض عن دين الله.

والله أعلم.