السؤال:

هل يوجد من ادعى المهدية قبل ذلك؟ وكيف كان حال الناس بعد افتضاح حاله؟ ومتى ظهر ذلك؟ وهل أثر ذلك على اعتقاد بعض الناس في المهدي؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

ظهر في التاريخ عشرات الأشخاص كل منهم ادعى أنه المهدي المنتظر الذي يختم به الزمان، وقد ملأ الأرض عدلا، بل ظهر في التاريخ أشخاص لما عجزوا عن ادعاء المهدية لأنفسهم ألصقوها بغيرهم من المصلحين والدعاة حتى يكون كلامه أقرب إلى القبول، وقد كشف التاريخ نفسه زيف هذه الدعاوى فتهاوت أمام العقلاء، أما من غطوا عقولهم، وصاروا يولعون بكل خرافة فقد اعتقدوا أن من مات ممن كان يرجى أن يكون مهديا فإنه رفع إلى حين، وسيعود من جديد، وصارت طائفة كلما هلك واحد ممن كانوا يتصورون المهدية فيهم يلصقونها بشخص آخر.

يقول الشيخ سلمان العودة من علماء المملكة العربية السعودية :-

هناك من قد ينكر أحاديث المهدي إطلاقاً ، وربما كان بعض الذين أنكروها بسبب الممارسات الخاطئة ، والدعاوى الكثيرة -عبر التاريخ- التي تمسكت بهذا المعنى ؛ فأنكروا هذا حتى يسدوا الباب ، وربما يكون هذا بسبب عدم معرفتهم ، واطلاعهم على السنة ، فهذا طرف ، لكن الطرف الثاني هو من يبالغ في تبنّي فكرة المهديّة ، حتى إن هذه الفكرة تأكل ، وتشرب ، وتصحو ، وتنام معه ، ويصبح الأمر غلواً في الإلحاح على هذه القضية ، وهذا خطأ آخر أيضاً، وإليك طرفا من هذا المسلسل المهدي:-

فأول دعوى ظهرت في هذا الباب ؛ هي ادعاء أن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم – سوف يعود ، وأنه لم يمُتْ ، وأول من ادعاها عبد الله بن سبأ اليهودي وقال : العجب من قومٍ يزعمون أن عيسى – عليه السلام – سوف ينـزل وينكرون خروج النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ، ومحمد أحق بالرجوع من عيسى .وهذه الفكرة الخيالية فكرة فاجرة ، أراد منها هذا الرجل العبث بمقدس من مقدسات الإسلام ، وهو عقيدة ختم النبوة ، فإن الله تعالى ختم النبيين بمحمد -صلى الله عليه وآله وسلم- “مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ” (الأحزاب: من الآية40) ” وقال – صلى الله عليه وسلم – “أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ” رواه الترمذي، وأبو داود وهذه من العقائد القطعية عند المسلمين ؛ ولهذا كفر المسلمون جميعاً عوامهم وخواصهم ، علماؤهم وقادتهم ، كل من ادعى نبياً بعد رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وحكمت المحاكم الإسلامية بأن (القاديانية) و(البهائية) فرق كافرة خارجة عن الإسلام ؛ لأنهم ادعوا نبوة رجلٍ من قادتهم كميرزا غلام أحمد ، أو غيره بعد الرسول – عليه الصلاة والسلام – ، فكفروا بذلك ؛ لأنهم خالفوا قطعياً من قطعيات الدين .
وعبد الله بن سبأ اليهودي تحايل على هذه الفكرة ، فزعم أن الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – سيخرج من قبره ، ولم يقل : هناك نبي آخر ، وهذا تمهيد ؛ لأنه إذا انخرمت هذه القاعدة ، وأصبح الناس ، أو طائفة منهم يترقبون خروج الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم – سهلت القضية؛ لأنه قد يخرج عليهم أيُّ شخص ، ويدعي أنه هو الرسول ، وأنه خرج من قبره ، وليس شخص آخر ادعى النبوة بعد الرسول – عليه الصلاة والسلام – ، وها هنا تكون الخطورة .وهذا خروج عن قواعد المسلمين ، وخروج عن قانون الشريعة ، وخروج على إجماع الصحابة ، وإجماع السلف ، وإجماع التابعين .
ومن يدعي مثل هذه الأشياء هو بين أمرين :
1ـ إما أنه شخص فيه هوس وجنون ، فهذا محله المصحَّات النفسيَّة
2ـ أو أنه شخص عاقل فينبغي أن يُقنع ، ويفهَّم ويبين له ، فإن أصرَّ؛ فلا بد من محاكمته، كما حاكم المسلمون الطوائف القاديانية في باكستان وغيرها ، وأصدروا فيهم حكماً واضحاً حتى لا يلتبس الأمر على الناس.

كما جاءت من عند ابن سبأ دعوى أن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – هو المهدي : وكان يقول : لو أتيتمونا بدماغه في سبعين صرة ما صدقنا أنه مات ، وأنه سيعود ، ويملأ الأرض عدلاً ؛ كما ملئت جَوْراً .

ثم انتقلت دعوى بعد ذلك ، إلى محمد بن الحنفيَّة ، الذي هو ابن علي بن أبي طالب .وممن ادعى المهدية لمحمد بن الحنفية المختار بن أبي عبيد ، والمختار كان في العراق ، وكان يدعي أن الملائكة تأتيه ،وقد قال ابن عمر – رضي الله عنه – لما قيل له : إن المختار يقول: إن الوحي يأتيه. قــال : صدق “وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ” (الأنعـام: من الآية 121) ، ولم يجامله مع أن زوجة ابن عمر صفية بنت أبي عبيد هي أخت المختار.
وهؤلاء الذين يدعون مهدية ابن الحنفية يسمَّون الكيسانيَّة .

ولما خرج محمد بن عبد الله بن حسن على أبي جعفر المنصور تلقب بالمهدي ؛ طمعاً أن يكون هو الموعود به في الأحاديث ، ثم هزم جيشه وقتل سنة 145هـ واحتزّ رأسه وحمل من المدينة إلى العراق ، ومع ذلك انقسم اتباعه :، فمنهم من آمن بأنه مات ؛ فانقشعت عنه هذه الفكرة ، وآخرون زعموا رجعته ، وأنه – وإن ظهر لنا أنه مات – إلا أنه سيعود .وفئة ثالثة ، نقلت المهدية إلى غيره ، والغريب أن هذا أمر يتكرر ؛ فعندما وقعت أحداث الحرم ، وكان معهم من زعموه مهدياً ، فقتل ، ومع ذلك قال بعض الذين تَشبَّعوا بهذه الفكرة ، وامتلأت بها نفوسهم : إنه لم يقتل ، ولكنه هرب . فالإنسان يكذَّب الحس ، وما أبصره بعينه ؛ لأنه تشبَّع بمعنىً معين ، ويصعب عليه أن يقـول : إنه أخطأ ، أو أنها كانت فكرة تبيَّن له انحرافها ، أو غشاوة تجلى عنه ضبابها . فقضية الانتظار عند الشيعة ، ومن ثم انتقال الأدوار بعد فقد من كان يؤمل به أن يكون هو المهدي قائمة .

فبعد محمد بن الحنفية ، هناك من ينتظر محمد بن جعفر ، الذي هو جعفر الصادق .وبعد أن مات محمد بن جعفر ، صار هناك من ينتظر إسماعيل بن جعفر ، وهم من يُسمَّون (الإسماعيلية) ، وهم من فرق الباطنية ،وبعد أن مات إسماعيل من غير ولد صار هناك من ينتظر محمد بن إسماعيل ، وهؤلاء هم القرامطة الباطنيون .
وأشهر فرق الشيعة هم من يسمَّون: (الاثني عشرية) وهم يقولون باثني عشر إماماً ،آخرهم هو محمد بن الحسن العسكري ، وهو عندهم إمام معصوم ، اختفى في السرداب قبل أكثر من ألف ومئتي سنة ، والواقع أن الحسن العسكري لم يُنجب ، ومات عقيماً .

أما المهدي العباسي فقد سماه أبوه أبو جعفر المنصور محمداً ؛ ولقبه بالمهدي لأنه كان يواجه مشكلة المهدي من آل البيت ، فاضطر أن يواجه الحرب بمثلها ، وكان يقول – في مجالسه الخاصة:- والله لا مهدي آل البيت مهدي ، ولا ولدي ـ أيضاً ـ مهدي ؛ لكن نحن نقاوم هذا بهذا .
فادعى ابن أبي جعفر المنصور المهديَّة ؛كما لقبه أبوه ؛ وذلك منافسة للنفس الزكية .

فهناك مهديون كُثُر ، أو مُتَمَهْدُوْن كثير . مثل: المهدي ابن تومرت ، في بلاد المغرب ، وهو مؤسس دولة الموحدين في المغرب .وهناك – أيضاً – المهدي السوداني ، وهو محمد ، أو أحمد بن عبد الله ، الذي قاد حركة المهدية التي لا تزال حزباً ، جماعته قائمة في السودان إلى اليوم ، وكان يقول : إنه من آل البيت ، ويدَّعي أنه يأتيه الوحي ، وأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كلَّمه كفاحاً ، وأخبره أنه المهدي ، وتجمع حوله أناس كثيرون ، وإن كان من خير في هذه الحركة المهدية، فهي أنها ساهمت في طرد الاستعمار من السودان .

وهناك مهديون لم يحالفهم الحظ ، كما يقول الإمام ابن تيمية : أعرف في زماننا غير واحد من المشايخ من أهل الزهد ، والتقوى ، والعبادة ، يظن كل منهم أنه المهدي ، وربما يخاطب أحدهم بذلك مرات في اليقظة ، وإنما تخاطبهم الشياطين .كما ذكر الحافظ ابن حجر – رحمه الله – أحدَهُم في كتاب ( الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) وعبر عنه بقوله : حصل له انحراف في المزاج ، فادعى دعاوى عريضة من الرؤية (رؤية الله سبحانه وتعالى) ومن الإسراء ، وأن الله كلّمه ، وأخبره أنه هو المهدي .

والله أعلم .